الأخبارمقالاتمقالات وتدوينات

النزوح يتجاوز أرقام العام الماضي في الضفة الغربية.. أزمة صحية تتسع في الربع الأول من 2026

أكثر من 1697 نازحًا خلال الربع الأول من 2026 يتجاوزون إجمالي العام الماضي، وسط تعطل الإسعاف وتزايد المخاطر الصحية والنفسية على السكان

في تطور يعكس التدهور المتسارع للأوضاع الإنسانية في الضفة الغربية، أظهرت بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن عدد الفلسطينيين الذين أُجبروا على النزوح خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 تجاوز إجمالي عدد النازحين المسجل خلال كامل عام 2025، في مؤشر خطير على اتساع دائرة الأزمة وتأثيراتها المباشرة على الحياة اليومية، ولا سيما على القطاع الصحي.

ووفق المعطيات الأممية، بلغ عدد النازحين منذ بداية يناير/كانون الثاني وحتى نهاية مارس/آذار 2026 نحو 1697 فلسطينيًا، وهو رقم يفوق إجمالي النزوح المسجل في العام الماضي، والذي بلغ 1658 حالة. ولا تمثل هذه الأرقام مجرد تحول ديمغرافي مؤقت، بل تكشف عن أزمة مركبة تمتد آثارها إلى الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الرعاية الصحية.

في الميدان، ينعكس النزوح القسري بشكل مباشر على قدرة السكان في الوصول إلى العلاج والرعاية الطبية. فالعائلات التي تغادر مناطقها، سواء نتيجة الاعتداءات أو القيود المفروضة على الحركة، تجد نفسها في كثير من الأحيان في أماكن تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الصحية، ما يضع المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة، أمام مخاطر متزايدة. ويشمل ذلك مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، الذين يعتمدون على مراجعات دورية وعلاجات مستمرة لا تحتمل الانقطاع.

ويحذر مختصون في الشأن الصحي من أن النزوح لا يعني فقط فقدان المأوى، بل قد يتحول إلى عامل مباشر في تدهور الحالة الصحية للسكان. فالتنقل المفاجئ، وصعوبة الوصول إلى العيادات، وفقدان الأدوية أو الوثائق الطبية، كلها عوامل تؤدي إلى تعقيد الحالات المرضية ورفع احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة.

وتتفاقم الأزمة مع استمرار القيود المفروضة على حركة سيارات الإسعاف والطواقم الطبية، خاصة في المناطق الشمالية من الضفة الغربية. إذ يؤدي انتشار الحواجز والإغلاقات إلى إبطاء وصول سيارات الإسعاف إلى المصابين والمرضى، وهو ما ينعكس بشكل خطير على الحالات الطارئة، مثل الإصابات الناتجة عن الاعتداءات، أو الأزمات القلبية، أو حالات الولادة الحرجة.

وفي هذا السياق، لا يقتصر العبء على المرضى وحدهم، بل يمتد إلى المرافق الصحية نفسها، التي تواجه ضغطًا متزايدًا نتيجة انتقال أعداد من السكان إلى مناطق محددة، ما يؤدي إلى اكتظاظ في أقسام الطوارئ والعيادات الخارجية، ويضاعف العبء على الكوادر الطبية والإمدادات العلاجية.

أما على المستوى النفسي، فتبرز تداعيات النزوح بوصفها أحد أكثر الجوانب الصحية خطورة وأقلها ظهورًا في الأرقام. فحالات القلق والصدمة النفسية واضطرابات النوم باتت أكثر شيوعًا، خصوصًا بين الأطفال والنساء، في ظل التعرض المستمر للعنف وفقدان الإحساس بالأمان والاستقرار. ويشير مختصون إلى أن تكرار مشاهد الاقتحامات أو الهدم أو الاعتداءات، إلى جانب الانتقال القسري من المنزل، يترك آثارًا نفسية طويلة الأمد قد تستمر لسنوات.

كما ترتبط بيئات النزوح المؤقتة بمخاطر إضافية على الصحة العامة، في ظل محدودية المياه النظيفة، وضعف خدمات الصرف الصحي، وغياب الخصوصية الصحية، ما يزيد من احتمالات انتشار الأمراض المعدية والتنفسية، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن الأزمة في الضفة الغربية لم تعد تقتصر على الجانب الإنساني أو الأمني، بل باتت تحمل أبعادًا صحية متفاقمة تهدد الحق الأساسي في العلاج والوصول إلى الرعاية الطبية. وفي ظل استمرار ارتفاع أعداد النازحين، تبدو المنظومة الصحية أمام تحديات متزايدة تتطلب تدخلًا عاجلًا لضمان استمرار الخدمات الطبية، وتأمين الوصول الآمن للمرضى والطواقم الصحية.

في المحصلة، فإن تجاوز أرقام النزوح في الربع الأول من 2026 لإجمالي العام السابق يعكس حجم التدهور المتسارع في الضفة الغربية، ويضع القطاع الصحي في قلب الأزمة، بوصفه أحد أكثر القطاعات تأثرًا وتعرضًا للضغط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى