نصف ساعة بين الجريح والإسعاف.. كيف حوّلت الحواجز الإسرائيلية زمن الإنقاذ في الضفة إلى سباق مع الموت؟
تضاعف زمن وصول طواقم الإسعاف إلى المصابين في الضفة الغربية ثلاث مرات، بعد أن حوّلت الحواجز والبوابات العسكرية الطرق القصيرة إلى متاهات طويلة. ويحذّر مسعفون من أن الدقائق الضائعة عند الحواجز باتت تحسم مصير المصابين قبل وصولهم إلى المستشفى.
في الضفة الغربية المحتلة لم تعد المسافة بين المصاب وسيارة الإسعاف تُقاس بالكيلومترات، بل بعدد الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية المنصوبة على مداخل القرى والبلدات، وبمزاج الجندي الذي يقرر متى تمر المركبة ومتى تنتظر.
ما كان يستغرق دقائق معدودة قبل سنوات أصبح اليوم رحلة محفوفة بالتأخير والاحتجاز والمنع. ويكشف هذا الواقع مستوى جديدا من التضييق على العمل الإسعافي الفلسطيني، في وقت تتصاعد فيه اقتحامات جيش الاحتلال وهجمات المستوطنين وتتسع دائرة الإصابات.
من عشر دقائق إلى نصف ساعة
يقول عيد دويكات، مدير الإعلام في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، إن زمن الاستجابة الإسعافية في الضفة كان يتراوح بين 7 و10 دقائق، وإنه يتجاوز اليوم 25 إلى 30 دقيقة.
ويُرجع دويكات هذه القفزة إلى تزايد أعداد الحواجز والبوابات العسكرية الإسرائيلية، ومنع الطواقم الطبية من دخول مناطق بعينها، إضافة إلى الإغلاقات والقيود المفروضة على حركة المسعفين. وقد عقّدت هذه العوامل مجتمعة عمليات الاستجابة الإنسانية في مختلف المحافظات.
ولا تعني هذه الأرقام مجرد تأخير إداري في جداول العمل. ففي الإصابات بالرصاص الحي والنزيف الحاد، تُعدّ الدقائق الأولى بعد الإصابة الأكثر حسما في فرص النجاة. وكل دقيقة تُهدر عند بوابة مغلقة قد تنقل المصاب من خانة الإنقاذ إلى خانة الشهداء.

المغير وأبو فلاح وجنين.. طواقم ممنوعة من الوصول
وثّق الهلال الأحمر الفلسطيني في أواخر أغسطس/آب الماضي إعاقة قوات الاحتلال وصول طواقمه إلى المصابين وطالبي الخدمة الطبية في قريتي المغير وأبو فلاح شمال شرق رام الله. ويؤكد دويكات أن الاعتداءات على الطواقم الطبية ومنعها من الوصول إلى الجرحى وانتشال الشهداء متواصلة في مناطق متفرقة، ولا سيما في محافظة جنين.
وفي اليوم نفسه، تمكنت طواقم الجمعية من نقل مصابَين إلى المستشفيات الفلسطينية بعد اعتداء قوات الاحتلال على مواطنين في محيط مخيم الأمعري بمدينة البيرة.
ويعكس هذا المشهد نمطا متكررا تعيشه الطواقم الإسعافية يوميا. فبلوغ المصاب يتطلب أحيانا انتظار إذن عسكري، أو سلوك طرق التفافية ترابية، أو التفاوض على نقل الجريح من مركبة إلى أخرى عند نقطة عسكرية.
رضيع دير عمار.. حين تصبح البوابة حكما بالموت
من أكثر الحالات إيلاما التي وثّقها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) خلال الصيف، حالة رضيع فلسطيني في شهره الرابع تأخر نقله إلى المستشفى عند بوابة يديرها جيش الاحتلال على مدخل قرية دير عمار في محافظة رام الله. وقد أُعلنت وفاة الطفل بعد وصوله إلى المستشفى.
ولم تكن هذه الحالة حادثة معزولة، بل نتيجة مباشرة لمنظومة إغلاق متدرجة. ويقول أوتشا إن القيود المتتالية على الحركة عزلت فعليا نحو 12 ألف فلسطيني يقطنون التجمعات الواقعة غرب رام الله، فأصبح وصولهم إلى المستشفيات والمراكز الصحية مرهونا بفتح بوابات لا يملكون مفاتيحها.
جغرافيا العزل.. قرى خلف البوابات
تمتد خريطة العزل إلى جنوب الضفة أيضا. ففي المنطقة المصنفة “H2” بمدينة الخليل، ركّب جيش الاحتلال بوابة تقيّد أحد آخر المسارات المتبقية للوصول إلى البلدة القديمة. ويصف أوتشا ذلك بأنه توسيع لنظام تقييد حركة يزداد مأسسة، ويطال نحو 7 آلاف فلسطيني.
وتتزامن هذه القيود مع موجة تهجير متسارعة. فقد هُجّر منذ مطلع العام الجاري أكثر من 3200 فلسطيني في أنحاء الضفة بفعل هجمات المستوطنين وعمليات الهدم، بمعدل 17 شخصا يوميا، وهو ضعف المعدل اليومي المسجل خلال السنوات الثلاث السابقة وفق الأمم المتحدة.
وتضع هذه المعطيات آلاف العائلات في تجمعات نائية ومحاصرة، حيث يصبح أي طارئ صحي، من ولادة متعسرة إلى نوبة قلبية، اختبارا قاسيا لقدرة الإسعاف على الوصول في الوقت المناسب.

إصابات من “مسافة صفر”
يتفاقم الضغط على الطواقم الإسعافية بسبب طبيعة الإصابات نفسها. فقد أوضح أحمد جبريل، مدير دائرة الإسعاف في الهلال الأحمر الفلسطيني، أن غالبية الإصابات التي تتعامل معها الطواقم في الضفة ناتجة عن إطلاق نار مباشر من مسافات قريبة. وأشار إلى أن مستوطنين مسلحين أطلقوا الرصاص على فلسطينيين من مسافة صفر أثناء محاولتهم الدفاع عن منازلهم وأراضيهم.
وتتطلب هذه الإصابات، في الرأس والصدر والبطن، تدخلا جراحيا عاجلا لا يحتمل التأخير. وهنا تحديدا يتحول الفارق بين عشر دقائق وثلاثين دقيقة إلى فارق بين الحياة والموت.
وتكشف أحدث بيانات وزارة الصحة الفلسطينية ارتفاع حصيلة الشهداء في الضفة الغربية إلى 100 شهيد منذ بداية العام الجاري، بعد استشهاد 4 مواطنين خلال 24 ساعة في محافظات نابلس وقلقيلية وطولكرم مطلع سبتمبر/أيلول الجاري. وفي بلدة حجة بمحافظة قلقيلية، استشهد أحدهم متأثرا بإصابته برصاص مستوطنين في الرأس خلال هجوم على البلدة، وأصيب ثلاثة آخرون بينهم طفل. أما في نابلس، فما تزال قوات الاحتلال تحتجز جثمان شهيد من بلدة قبلان.
استجابة تحت الحصار.. نقاط إسعاف في قلب المواجهة
أمام هذا الواقع، اضطر الهلال الأحمر الفلسطيني إلى إعادة رسم خريطة انتشاره. فقد أنشأ نقاطا إسعافية في المواقع الأكثر احتكاكا وتضررا من الاعتداءات، بعضها في بلدات لم تكن ضمن نطاق عمله سابقا، مثل بلدة الفندقومية جنوب جنين. وقد أُقيمت هذه النقطة بعد اقتحامات المستوطنين وإحراق المنازل هناك.
ويعمل في هذه النقاط أطباء وممرضون ومسعفون، إلى جانب متطوعين من خلفيات مهنية متنوعة تلقوا تدريبا موحدا على نظام “المستجيب الأول”، وحصل بعضهم على تدريبات متقدمة. وتسعى هذه الخطة إلى تقديم الإسعاف الأولي داخل التجمع المحاصر نفسه، بدل انتظار سيارة إسعاف قد تعلق عند الحاجز.
لكن هذه الحلول، على أهميتها، تبقى إجراءات تكيّف مع الحصار لا بديلا عن حرية الحركة. فالمستجيب الأول قادر على وقف نزيف أو تثبيت كسر، لكنه لا يستطيع إجراء عملية جراحية أو نقل دم.
نظام صحي منهك أصلا
لا تعمل الطواقم الإسعافية في فراغ، بل ضمن منظومة صحية تعاني أزمة مالية غير مسبوقة. ففي تقرير صدر في أغسطس/آب الماضي، كشفت جمعية “أطباء لحقوق الإنسان” أن 447 منشأة وخدمة صحية من أصل 590 تتبع وزارة الصحة الفلسطينية قلّصت ساعات عملها بشدة، وباتت تعمل يوما أو يومين فقط في الأسبوع.
وبحسب التقرير، تجاوزت ديون الوزارة للمستشفيات الخاصة وشركات الأدوية 1.18 مليار دولار. ومن أصل نحو 1260 دواء أساسيا يُفترض توفيرها، نفد 160 دواء بالكامل، فيما لا يكفي مخزون نحو 600 دواء آخر إلا لأيام قليلة.
وتربط الجمعية بين الأزمتين بوضوح. فالقيود على الحركة، كما يوضح تقريرها، لا تحد من وصول المرضى إلى العلاج فحسب، بل تعيق أيضا تنقل الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف ونقل الأدوية والمعدات، فتضاعف أثر التقليصات المالية والتشغيلية.
وكان وزير الصحة الفلسطيني الدكتور ماجد أبو رمضان قد أكد، خلال إحاطة للسلك الدبلوماسي، أن الاعتداءات والانتهاكات التي طالت القطاع الصحي في الأرض الفلسطينية المحتلة تجاوزت 1955 اعتداء منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

حين يصبح الحاجز جزءا من التشخيص
تكشف المعطيات مجتمعة أن الحاجز العسكري لم يعد مجرد عائق مروري، بل صار عاملا مؤثرا في النتيجة الطبية نفسها. فالطبيب في قسم الطوارئ لا يستقبل الإصابة فقط، بل يستقبل معها الدقائق التي ضاعت في الطريق، والنزيف الذي استمر عند البوابة، والمضاعفات التي كان يمكن تفاديها لو وصل المصاب مبكرا.
وتكفل اتفاقيات جنيف حماية الطواقم الطبية ومركبات الإسعاف، وتلزم القوة القائمة بالاحتلال بضمان وصول السكان إلى الرعاية الصحية. غير أن الواقع الميداني في الضفة يشير إلى أن هذه الحماية تتآكل مع كل بوابة جديدة تُنصب على مدخل قرية.




