الأخبارمقالاتمقالات وتدوينات

غزة.. منظومة صحية على حافة الانهيار الكام

غزة – رغم مرور أكثر من عامين ونصف على اندلاع الحرب، لا يزال القطاع الصحي في غزة يرزح تحت وطأة أزمة إنسانية غير مسبوقة، باتت معها المنظومة الطبية -التي كانت يوماً تخدم أكثر من مليوني فلسطيني- أقرب إلى الانهيار الكامل منها إلى الصمود.
وبينما يُحيي العالم يوم الصحة العالمي تحت شعار “معاً من أجل الصحة: لنقف مع العلم”، يجد سكان غزة أنفسهم أمام واقع مغاير تماماً، حيث تحوّل الوصول إلى أبسط الرعاية الطبية إلى معركة يومية لا يكسبها الجميع.

انهيار لم تشهده غزة من قبل
قال مدير عام وزارة الصحة في قطاع غزة، الدكتور منير البرش، إن الأوضاع الصحية تشهد “انهياراً شبه كامل”، مشدداً على أن الهدنة “بقيت حبراً على ورق ولم تتحول إلى سلام حقيقي”.
وتكشف البيانات المحدّثة حتى مارس 2026، الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، حجم الكارثة بأرقام صارخة: الدمار طال 94% من مستشفيات القطاع، فيما لا يعمل أي من المستشفيات الـ36 بطاقته التشغيلية الكاملة، إذ لا يعمل سوى 18 منها بصورة جزئية. أما مراكز الرعاية الصحية الأولية، فلا يشتغل سوى 1.5% منها بكامل طاقتها.
وأكد البرش أن أقسام العناية المركزة تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، في حين يتضاءل عدد العاملين في القطاع الصحي باستمرار جراء الاستشهاد والإصابات والتهجير القسري.

أدوية نفدت وأجهزة توقفت
في مايو 2026، أطلقت وزارة الصحة نداء استغاثة عاجلاً كشفت فيه عن كارثة دوائية بالغة الخطورة؛ إذ أعلنت أن 47% من الأدوية الأساسية نفدت بالكامل من المخازن، فيما وصل 59% من المستهلكات الطبية و87% من مواد الفحوص المخبرية إلى “الرصيد الصفري”.
ولم يقتصر النقص على الأدوية العامة، بل امتد ليطال أدوية السرطان وأمراض الدم والفشل الكلوي والأدوية النفسية. وحذّر المدير الطبي لمجمع الشفاء، الدكتور حسن الشاعر، من أن “الأزمة الصحية لم تعد مقتصرة على استقبال المصابين والجرحى، بل طالت مختلف التخصصات الطبية وعلى رأسها علاج مرضى السرطان”.
وحذّر مسؤولون طبيون من أن المختبرات باتت مهددة بالتوقف الكامل بسبب نفاد المواد الكيميائية والأحماض اللازمة لتشغيل الأجهزة، في وقت أغلقت فيه عمليات الإجلاء الطبي عبر المعابر أبوابها منذ فبراير الماضي، تاركةً آلاف المرضى دون سبيل للعلاج خارج القطاع.

أوبئة تنتشر في ظل مياه ملوّثة
وإلى جانب شُح الموارد، يواجه سكان غزة موجة من الأمراض المتفشية التي تضرب مجتمعاً منهكاً وجهازاً مناعياً مثقلاً بسنوات من الحرب والتهجير.
وتُظهر بيانات منظومة التحذير والاستجابة المبكرة (EWARS) أن الأمراض السارية شكّلت قرابة ربع إجمالي الاستشارات الطبية في الشهرين الأولين من 2026، فيما سُجّل نحو 81 ألف حالة إسهال مائي حاد في يناير وفبراير وحدهما، أكثر من 36 ألف منها بين الأطفال دون سن الخامسة.
وتُعزى هذه الأرقام -التي تزيد بنحو 20 ضعفاً مقارنةً بما قبل الحرب- إلى أن 97% من مياه القطاع باتت غير صالحة للشرب، في ظل انهيار شبكات الصرف الصحي وتلوث مصادر المياه الجوفية. كما تنتشر الأمراض الجلدية والتنفسية والطفيليات بصورة لافتة في مخيمات اكتظت بالنازحين وتفتقر إلى أدنى معايير النظافة.

أطفال في مواجهة الموت الصامت
يدفع أطفال غزة الثمن الأفدح في هذه المأساة؛ إذ تشير تقديرات تقرير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC) إلى أزمة سوء تغذية حاد تهدد حياة 101 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر وخمس سنوات، من بينهم 31 ألف حالة تعاني من سوء التغذية الحاد الوخيم الذي يضع حياتهم على المحك مباشرةً.
وكشف الدكتور البرش أن 60% ممن لقوا حتفهم بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ هم أطفال ونساء، مطالباً بفتح المعابر وإدخال الإمدادات الطبية وتأمين خروج الجرحى للعلاج. وتفيد واحدة من كل خمس أسر بأن أطفالها عاجزون عن الوصول إلى الرعاية الصحية أو الحصول على الأدوية جراء الإغلاقات المتكررة.

مدارس وملاجئ بديلة عن المستشفيات
مع خروج المرافق الصحية عن الخدمة أو تقليص طاقتها إلى الحد الأدنى، تحوّلت مدارس الأونروا ومراكز الإيواء إلى عيادات ميدانية يصطف أمامها المرضى يومياً للحصول على حدٍّ أدنى من الرعاية. وفي مجمع الشفاء الطبي، أكبر مجمعات غزة الصحية، تبدو آثار الحرب حاضرة في كل زاوية؛ من الدمار الهيكلي إلى انقطاع الكهرباء وشُح المعدات.
وتُقدّر الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الصحية منذ أكتوبر 2023 بما يزيد على 1.4 مليار دولار، فيما يُحصي الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أكثر من 1,800 مرفق صحي تعرّض للتدمير الكلي أو الجزئي.

حصار طبي يُفاقم الكارثة
وصف مدير عام وزارة الصحة في غزة السياسة الإسرائيلية في إدخال المساعدات بأنها “انتقائية”، تسمح بمواد غير أساسية وتمنع أخرى حيوية كالأدوية والوقود ومعدات الصيانة. وحذّرت منظمة “أطباء بلا حدود” من أن القيود المشددة المفروضة منذ مطلع 2026 تهدد حياة آلاف المرضى، فيما لا تغطي المساعدات الواصلة سوى جزء محدود من احتياجات القطاع المنهك.
في المقابل، يبقى تمويل القطاع الصحي هشاً؛ إذ تتحمل الأسر الفلسطينية ما يقارب 45% من إجمالي الإنفاق الصحي، في وقت بلغت فيه البطالة 80% وتدمّر 96% من الأراضي الزراعية.

نداء لم يُجَب بعد
أمام هذا الواقع، تجدد وزارة الصحة الفلسطينية نداءها للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية لتكثيف الدعم، مؤكدةً أن إنقاذ المنظومة الصحية ليس خياراً بل واجب قانوني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل.
ويرى مراقبون أن ما يجري في غزة لا يرقى إلى مجرد أزمة صحية عابرة، بل يُشكّل ما وصفه بعضهم بـ”الإبادة الصحية الصامتة”، في ظل عجز دولي متواصل عن ترجمة الإدانات الشفهية إلى إجراءات فعلية توقف هذا النزيف البشري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى