غزة تفقد أبناءها قبل أن يروا النور.. أربعة آلاف حالة إجهاض في ستة أشهر تدق ناقوس الخطر
ارتفاع معدل الإجهاض أكثر من ثلاثة أضعاف خلال النصف الأول من 2026 وسط الجوع وفقر الدم وانهيار الرعاية الصحية
غزة – خاص:
في قطاع غزة، لم تعد الحرب تحصد أرواح من وُلدوا فحسب؛ بل باتت تهدد الحياة وهي في بدايات تكوّنها. فبين جدران المستشفيات المنهكة وخيام النزوح، تخوض آلاف النساء الحوامل معركة صامتة ينتهي كثير منها بفقدٍ لا يدخل في عداد الشهداء، ولا تلتفت إليه نشرات الأخبار.
أرقام غير مسبوقة
تكشف بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة عن مؤشر بالغ الخطورة في واقع الصحة الإنجابية؛ إذ سُجلت خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 3,958 حالة إجهاض، فيما قفز معدل الإجهاض من 64 حالة لكل ألف مولود حي في النصف الثاني من عام 2025 إلى 208.5 حالات لكل ألف مولود حي في النصف الأول من عام 2026؛ أي بزيادة تتجاوز ثلاثة أضعاف خلال ستة أشهر فقط.
وبلغ المعدل ذروته في أبريل/نيسان الماضي عند 377.25 حالة لكل ألف مولود حي، في حين سجل يونيو/حزيران أعلى عدد شهري مطلق بواقع 790 حالة إجهاض.
والأشد إثارة للقلق أن 73.6% من حالات الإجهاض وقعت قبل الأسبوع الثالث عشر من الحمل، وهي المرحلة الأكثر حساسية في تكوّن الجنين، بينما تُظهر السجلات أن 57.1% من الحوامل المسجلات يعانين من فقر الدم، وهو ما يقارب ضعف المعدل العالمي، في مؤشر يجسد انهيار الأمن الغذائي حيث تُستنزف الأمهات بيولوجيًا قبل أن يفقدن أجنتهن.
إنذار يجب أن يسمعه العالم
ويحذر مدير عام وزارة الصحة في قطاع غزة الدكتور منير البرش من أن هذه المؤشرات ليست مجرد أرقام في سجلات المستشفيات، بل جرس إنذار صحي وإنساني يجب أن يسمعه العالم، مشيرًا إلى أن معدل الإجهاض المسجل في أبريل/نيسان 2026 بلغ رقمًا غير مسبوق يتجاوز المعدلات العالمية بأكثر من ثلاثة أضعاف، ويعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها النساء الحوامل في ظل استمرار الحرب.
وتأتي هذه المعطيات في سياق تدهور أوسع للمؤشرات الإنجابية في القطاع؛ إذ سبق أن أُعلن عن انخفاض حاد في عدد المواليد بنسبة 40% مقارنة بالعام الماضي، مع تراجع الولادات من 26 ألفًا إلى 17 ألف حالة، وتحوّل انخفاض وزن المواليد إلى ظاهرة واسعة نتيجة سوء تغذية الأمهات ومنع إدخال المكملات الغذائية الأساسية.
حمل تحت الحصار
فالمرأة الحامل في غزة لا تخوض رحلة الحمل في ظروف طبيعية، بل وسط بيئة يجتمع فيها الجوع وسوء التغذية وفقر الدم، والنزوح المتكرر، والخوف والضغط النفسي المزمن، وتلوث المياه، وانهيار جانب كبير من خدمات الرعاية الصحية، والنقص الحاد في الأدوية والفحوصات والمتابعة الطبية.
ويؤكد مختصون في طب النساء والولادة أن الرعاية الصحية للحامل تبدأ قبل حدوث الحمل نفسه؛ إذ تحتاج المرأة إلى نظام غذائي متوازن ومكملات غذائية أساسية أبرزها حمض الفوليك الذي يسهم في الوقاية من كثير من التشوهات الخلقية، غير أن الحرب والظروف المعيشية القاسية حرمت نساء غزة من أبسط مقومات الرعاية والتغذية السليمة، خاصة خلال فترات المجاعة، ما أفقد أجسامهن عناصر وفيتامينات ضرورية لنمو الأجنة بشكل طبيعي.
ولا يمكن علميًا نسبة كل حالة إجهاض إلى سبب واحد دون دراسات وبائية متخصصة، لكن هذا الارتفاع الحاد وغير المسبوق يستوجب تحقيقًا علميًا مستقلًا وعاجلًا في أثر الحرب والجوع والحرمان والنزوح وانهيار المنظومة الصحية على الحمل والأمومة ومستقبل الصحة الإنجابية في غزة، إلى جانب تدخلات صحية عاجلة تعيد الحد الأدنى من خدمات رعاية الحوامل.
مسؤولية إنسانية وقانونية
نحو أربعة آلاف حالة إجهاض خلال ستة أشهر، ومعدل تضاعف أكثر من ثلاث مرات مقارنة بالنصف الثاني من 2025؛ إنها ليست إحصائية أخرى تُضاف إلى أرقام الحرب، بل حيوات لم يكتمل طريقها إلى النور، وأمهات يحملن وجع الفقد بصمت، وإنذار بأن المأساة في غزة لم تعد تهدد الحاضر وحده، بل تمتد إلى الأجيال التي لم تولد بعد.
إن حماية أمهات غزة وأجنتهن ليست قضية طبية فحسب، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية وقانونية تستوجب تحركًا عاجلًا يضمن حماية النساء الحوامل، وتوفير الغذاء والدواء والرعاية الآمنة، واستعادة خدمات الأمومة والصحة الإنجابية، انسجامًا مع التزامات القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تفرد للنساء الحوامل حماية خاصة في أوقات النزاع.
فحين تُهدَّد الحياة قبل أن تبدأ، لا يكفي أن يحصي العالم الخسائر بعد وقوعها.





