ولادتان على الحواجز وجنين يفارق الحياة.. حصار نابلس يحوّل الطريق إلى المستشفى إلى رحلة خطرة
سيدتان فلسطينيتان وضعتا مولوديهما داخل مركبتين بعد إغلاق الاحتلال الحواجز المحيطة بنابلس، فيما فقدت أم ثالثة جنينها على حاجز عورتا، في مؤشر على تفاقم أزمة الوصول إلى الرعاية الصحية في الضفة الغربية
نابلس – 27 يوليو/تموز 2026
لم تصل أيٌّ من السيدتين إلى غرفة الولادة. فبين حاجز عسكري مغلق وطريق التفافي مكتظ، تحوّل المقعد الخلفي لمركبة مدنية إلى غرفة توليد اضطرارية، في مشهد قالت منظمة “أطباء لحقوق الإنسان” إنه يلخّص واقع الحصار المفروض على مدينة نابلس وقراها منذ صباح الأحد.
فقد أفادت المنظمة، في بيان لها، بأن سيدتين فلسطينيتين اضطرّتا إلى وضع مولوديهما داخل مركبتين في محيط المدينة، بعد أن حالت الحواجز العسكرية المغلقة دون وصولهما إلى المستشفيات في الوقت المناسب، محذّرة من أن ما جرى ليس حادثة معزولة، بل نتيجة مباشرة لسياسة إغلاق ممنهجة تعزل المراكز الصحية عن محيطها السكاني.
ولادة خارج أسوار المستشفى
بحسب المنظمة، تسببت القيود المشددة على حركة الفلسطينيين وإغلاق الطرق والحواجز في تأخير وصول السيدتين إلى الرعاية الطبية اللازمة، ما أفضى إلى وقوع حالتي ولادة في ظروف صعبة وغير آمنة خارج المرافق الصحية، بعيدًا عن أي إشراف طبي متخصص أو تجهيزات تضمن سلامة الأم والوليد.
وشدّدت المنظمة على أن حرية الحركة والوصول إلى الرعاية الصحية “حق أساسي يجب ضمانه وعدم المساس به”، داعية إلى وقف فوري للإجراءات التي تعيق وصول الفلسطينيين إلى المستشفيات والمراكز الصحية، ومحمّلة سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن المخاطر التي يتعرض لها المدنيون جراء استمرار إغلاق الحواجز وتقييد التنقل.
والولادة خارج المرافق الصحية، كما يؤكد أطباء النساء والتوليد، ليست مجرد “ظرف صعب”؛ فهي تضاعف احتمالات النزف ما بعد الولادة، وتعطّل التدخل الفوري في حالات اختناق الوليد أو تعسّر المخاض، وتحرم الأم والطفل من الفحوص الحيوية الأولى التي قد تكشف مضاعفات صامتة لا تحتمل التأجيل.
جنين يفارق الحياة على حاجز عورتا
ولم تمرّ ساعات على حادثتي الولادة حتى سجّلت المحافظة مأساة أشد وطأة. فصباح الاثنين، فقدت أم من بلدة قريوت، جنوب نابلس، جنينها بعد أن أعاقت قوات الاحتلال مرور مركبة الإسعاف التي كانت تقلّها عبر حاجز عورتا العسكري جنوب المدينة، وفق ما أوردته وسائل إعلام فلسطينية محلية.
وتؤكد جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أن طواقمها تواجه منذ صباح الأحد عرقلة متواصلة على الحواجز العسكرية المحيطة بمحافظة نابلس، حيث تُخضع قوات الاحتلال مركبات الإسعاف لإجراءات تفتيش وتدقيق مشددة تبطئ حركتها وتؤخر وصولها إلى المرضى والمصابين، في وقت لا تحتمل فيه الحالات الحرجة دقائق إضافية من الانتظار.
ولا تقتصر تداعيات الإغلاق على النساء الحوامل؛ إذ أشارت تقارير محلية إلى تأخر نقل مرضى غسيل الكلى إلى المستشفيات، وهي فئة يشكل انتظام مواعيد علاجها مسألة حياة أو موت، ما يوسّع دائرة المتضررين لتشمل مرضى الأمراض المزمنة وكبار السن وكل من يحتاج رعاية عاجلة أو دورية.
مدينة مطوّقة وضفة مقطّعة الأوصال
يأتي حصار نابلس في سياق أوسع من التشديد العسكري على عموم الضفة الغربية، حيث تفيد تقارير صحفية بأن جيش الاحتلال يواصل تقطيع أوصال الضفة إلى ثلاثة أقسام: شمال ووسط وجنوب، عبر طوق من الحواجز الثابتة والطيّارة، تعززه اعتداءات المستوطنين على الطرق الرئيسية الرابطة بين المدن الفلسطينية.
وتتحول محافظة نابلس، التي تضم مستشفيات مركزية تخدم قرى وبلدات شمال الضفة بأكملها، إلى جزيرة معزولة كلما أُغلقت بواباتها العسكرية. فالمريض القادم من قريوت أو عقربا أو بيتا لا يملك طريقًا بديلًا آمنًا نحو المستشفى؛ إما الحاجز، وإما طرق ترابية وعرة قد تستغرق أضعاف الوقت، وقد تكون بدورها مغلقة أو محفوفة بالمخاطر.
وتُعيد المشاهد الحالية إلى الأذهان ظاهرة “الولادة على الحواجز” التي وثّقتها الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية على نطاق واسع خلال سنوات الانتفاضة الثانية، حين أجبرت عشرات النساء الفلسطينيات على الوضع عند نقاط التفتيش، وفارق عدد من المواليد والأمهات الحياة نتيجة تأخير المرور. عودة هذه الظاهرة اليوم تشير، بحسب مراقبين، إلى أن منظومة القيود الحالية باتت توازي في قسوتها أشد فترات الإغلاق في العقود الماضية.
القانون الدولي واضح.. والمساءلة غائبة
بموجب القانون الدولي الإنساني، تلتزم قوة الاحتلال بضمان وصول السكان المدنيين إلى الخدمات الطبية، وتحظر اتفاقيات جنيف عرقلة عمل الطواقم الطبية ومركبات الإسعاف. كما يكفل القانون الدولي لحقوق الإنسان الحق في الصحة، الذي يشمل صراحةً رعاية صحة الأم قبل الولادة وأثناءها وبعدها.
غير أن الفجوة بين النص القانوني والواقع على الحاجز تتسع يومًا بعد يوم. فحين تلد امرأة على قارعة الطريق لأن جنديًا قرر إغلاق بوابة حديدية، وحين يفارق جنين الحياة لأن مركبة إسعاف احتُجزت للتفتيش، فإن المسألة تتجاوز “التأخير الإداري” لتصبح انتهاكًا مباشرًا للحق في الحياة وللحماية الخاصة التي يمنحها القانون الدولي للنساء الحوامل والأطفال.
إن ما شهدته نابلس خلال يومين فقط – ولادتان قسريتان داخل مركبتين، وجنين فقد حياته على حاجز عسكري – يضع المجتمع الدولي ومنظماته الصحية والحقوقية أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تحتمل الصمت: مسؤولية الضغط الفوري لرفع القيود عن حركة المرضى والطواقم الطبية، وضمان ممرات آمنة ودائمة إلى المستشفيات، ومساءلة المتسببين في تحويل الطريق إلى غرفة الولادة إلى اختبار للنجاة.




