“كنّا ننتظرك”.. شهادة أسير محرر تعيد فتح ملف اغتيال الطبيب عدنان البرش
رواية جديدة من داخل سجن "عوفر" تتحدث عن عشرين سجانًا وثلاثين دقيقة من الضرب في زاوية بلا كاميرات، وعن جثمان ما زال محتجزًا بعد أكثر من عامين
جملة واحدة قالها سجّان إسرائيلي للدكتور عدنان البرش لحظة وصوله إلى سجن “عوفر”، اختصرت – وفق شهادة أسير محرر – كل ما تلاها: “كنّا ننتظرك”. بعدها بدقائق، بحسب الرواية ذاتها، التفّ حول جراح العظام الفلسطيني نحو عشرين سجانًا في زاوية داخل السجن لا تصلها عدسات المراقبة، وانهالوا عليه ضربًا بالأحذية والأدوات الحادة، وصعقًا بالكهرباء، مع تركيز متعمّد على مناطق حساسة من جسده، لأكثر من نصف ساعة متواصلة. يقول الشاهد إن البرش كان يصرخ في البداية، ثم خفت صوته تدريجيًا، حتى انقطع تمامًا.
هذه الشهادة، التي نقلها الأسير المحرر علام حجازي عن أسير رمز له بالحرفين “ع.خـ” – وكان قد عايش البرش في التحقيق وحتى لحظاته الأخيرة – تشكّل أحدث حلقة في ملف ظلّ مفتوحًا منذ 19 أبريل/نيسان 2024، تاريخ إعلان مصلحة السجون الإسرائيلية وفاة أحد أشهر جراحي غزة داخل الاحتجاز، دون أن تكشف عن سبب الوفاة.
من مستشفى العودة إلى الزنزانة
وُلد عدنان أحمد عطية البرش في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة عام 1974، ودرس الطب في رومانيا، ثم حصل على البورد الأردني والبورد العربي، قبل أن يعود إلى غزة ليصبح رئيس قسم جراحة العظام في مجمع الشفاء الطبي، أكبر المرافق الصحية في القطاع، ورئيس الدائرة الطبية في الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم.
مع اشتداد الحرب، رفض البرش مغادرة موقعه. بعد اقتحام الشفاء، انتقل شمالًا ليواصل العمل في مستشفيات المنطقة، ومن مستشفى العودة في تل الزعتر اعتُقل في ديسمبر/كانون الأول 2023، إلى جانب مجموعة من زملائه في الطواقم الطبية. قبل ذلك بأسابيع، في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، كتب على منصة إكس عبارة صارت لاحقًا شعارًا لقصته: “نموت واقفين ولن نركع”.
من نقطة الاعتقال، بدأت رحلة احتجاز امتدت أربعة أشهر: معسكر “سديه تيمان” أولًا، ثم سجن “الجلمة”، وأخيرًا “عوفر” في الضفة الغربية المحتلة.
“لم يكن قادرًا على الوقوف”
الشهادة الجديدة ليست الأولى. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، نشرت شبكة سكاي نيوز البريطانية تقريرًا استند إلى إفادة قدّمها أسير كان يعرف البرش في غزة إلى محامين من منظمة “هموكيد” الإسرائيلية لحقوق الإنسان. تصف الإفادة وصول الطبيب إلى القسم 23 في سجن “عوفر” منتصف أبريل/نيسان 2024 في حالة يُرثى لها، تظهر على جسده آثار اعتداء واضحة، وهو عارٍ من الجزء السفلي.
وبحسب الإفادة نفسها، ألقاه الحراس في ساحة السجن وتركوه هناك عاجزًا عن الوقوف، حتى حمله أسرى إلى إحدى الغرف. بعد دقائق، ارتفع الصراخ من داخل الغرفة معلنًا وفاته.
قبل ذلك بأشهر، كان الطبيب خالد حمودة – الذي اعتُقل في “سديه تيمان” وأُفرج عنه لاحقًا – قد روى أنه استقبل البرش عند بوابة المعسكر وقد أنهكه الضرب، إذ لم يعد قادرًا على قضاء حاجته دون مساعدة، وكان يعتقد أن أضلاعه كُسرت، ويعاني صعوبة في التنفس.
طبيعة الإصابات دفعت المقررة الأممية الخاصة بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، إلى القول إن البرش يُرجَّح أنه اغتُصب حتى الموت، منتقدة صمت الإعلام والسياسيين الغربيين إزاء القضية.
الرواية الرسمية: صمت وتحقيق بلا نتائج
الموقف الإسرائيلي بقي عند حدّه الأدنى. أعلن الجيش أن مصلحة السجون أقرّت وفاة البرش في 19 أبريل/نيسان 2024، وأنه كان محتجزًا لأسباب تتعلق بـ”الأمن القومي”، دون تقديم أي تفاصيل إضافية. ورغم أن البرش لم توجَّه إليه تهمة جنائية واحدة طوال أشهر احتجازه، فقد وُصف في التصريحات الإسرائيلية بأنه “إرهابي”.
عائلته أُبلغت رسميًا في 24 أبريل/نيسان، فيما أُعلن الخبر للرأي العام في 2 مايو/أيار 2024. وفي مايو/أيار من العام ذاته، تقدّمت زوجته بطلب إلى محكمة الصلح في القدس لتعيين قاضٍ يتولى التحقيق في ملابسات الوفاة. أما التحقيق الذي أعلنت السلطات الإسرائيلية فتحه، فلم تُنشر نتائجه حتى اليوم.
وكانت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير الفلسطيني قد وصفا ما جرى، في بيان مشترك، بأنه “عملية اغتيال متعمدة”، وربطاه باستهداف ممنهج للأطباء والمنظومة الصحية في غزة.
جثمان في “مقابر الأرقام”
بعد أكثر من عامين، ما زالت قضية البرش معلّقة عند نقطة واحدة: أين جثمانه؟
زوجته ياسمين البرش، التي أطلقت مع العائلة حملة محلية ودولية لاستعادته، تقول إن زوجها اعتُقل مرتين خلال الحرب، أُفرج عنه في الأولى، ثم أُعيد اعتقاله وقُتل عمدًا في الثانية. وتشير إلى أن الاحتلال تفاوض عبر وسطاء لاستعادة جثث جنوده من غزة، بينما بقيت جثامين الشهداء الأسرى محتجزة، معتبرة أن دفنهم في ما يُعرف بـ”مقابر الأرقام” انتهاك صارخ للقانون الدولي. كما وجّهت انتقادًا مباشرًا إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكدة أنها لم تتلقّ منها أي مساعدة في معرفة مصير زوجها بعد اعتقاله.
وبحسب الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء ومعرفة مصير المفقودين، يحتجز الاحتلال 776 جثمانًا موثقًا في “مقابر الأرقام” وثلاجات الموتى، بينهم عشرات الأطفال والأسرى. ولم تتلقَّ عائلة البرش أي إشارة إلى أن جثمانه ضمن الجثامين التي جرى تسليمها في إطار التفاهمات الأخيرة.
ما وراء الحالة الفردية
قضية البرش لا تُقرأ منفصلة عن سياقها. فوفق مركز فلسطين لدراسات الأسرى، رُصدت أكثر من 360 حالة اعتقال في صفوف الكوادر الطبية والصحية في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، قضى منهم أربعة داخل السجون نتيجة التعذيب والإهمال الطبي.
وحتى منتصف عام 2026، لا تزال المطالبات قائمة بالإفراج عن 82 من كوادر وزارة الصحة في غزة المحتجزين لدى الاحتلال، وفق ما أعلنته الوزارة خلال وقفات نُظمت في مجمعي الشفاء وناصر ومراكز صحية أخرى. ويشير المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى إلى أن 16 طبيبًا، إلى جانب عشرات العاملين الصحيين، ما زالوا خلف القضبان، بينهم مدير مستشفى كمال عدوان الدكتور حسام أبو صفية، والدكتور مراد القوقا المعتقل منذ اقتحام مجمع الشفاء في مارس/آذار 2024.
هذا النمط – الاعتقال من داخل المستشفيات أثناء أداء الواجب، والاحتجاز المطوّل دون تهم، والإخفاء القسري – هو ما تستند إليه المنظمات الحقوقية حين تصف استهداف الطواقم الطبية بأنه سياسة لا حوادث متفرقة. وقد اعتبرت منظمة أطباء بلا حدود أن الصمت الدولي تجاه اعتقال الطواقم الطبية في غزة تحوّل إلى ما يشبه التواطؤ.
سؤال معلّق
بين رواية سجن لا تكشف سببًا للوفاة، وشهادات أسرى محررين تتراكم عامًا بعد عام وتتقاطع في تفاصيلها الجوهرية، تبقى قضية عدنان البرش اختبارًا لآليات المساءلة الدولية أكثر منها ملفًا فرديًا.
الطبيب الذي اختار البقاء إلى جانب مرضاه حتى اللحظة الأخيرة، والذي كان يمكن أن يخرج – وفق زملائه – لو أعطى المحققين ما أرادوا، ما زال جثمانه غائبًا عن جباليا التي وُلد فيها. وحتى تُنشر نتائج تحقيق أو يُسلَّم جسد، تظل عبارة السجّان التي نقلها الشاهد – “كنّا ننتظرك” – هي أوضح ما يملكه هذا الملف من إجابات.





