الأخبارمقالاتمقالات وتدوينات

أول الصفوف عند الخطر.. آخر القائمة عند الحقوق, الطبيب الفلسطيني في الضفة الغربية: مهنةٌ تُستنزف بصمت

في كل أزمة مرّت بها الضفة الغربية خلال العقدين الأخيرين ( انتفاضة، اجتياحات، جائحة، حرب إبادة على غزة، اقتحامات يومية للمخيمات ) كان الطبيب الفلسطيني في المكان نفسه: عند رأس السرير، أو في الطوارئ، أو خلف باب غرفة عمليات لا تتوقف. لم يُسأل يوماً عن راتبه قبل أن يستقبل مصاباً، ولم يشترط تسوية مالية قبل مناوبة ليلية في مستشفى تنقصه الأسرّة والأدوية والكوادر.

لكن حين حان وقت توزيع ما تبقّى في الخزينة، وجد الطبيب نفسه في موقع آخر تماماً: في آخر القائمة.

هذه ليست مبالغة خطابية، بل خلاصة تقرأها في أرقام باردة: نصف راتب أو أقل منذ سنوات، ومستحقات عمل إضافي متراكمة لم تُصرف، واتفاقيات موقّعة بختم الحكومة لم تُنفَّذ، وأطباء مقيمون يعملون خمسة أيام وثلاث مناوبات أسبوعياً بأجر منقوص لا يُسمح لهم قانونياً بتعويضه من أي مصدر آخر.

المسألة إذن ليست خلافاً على “زيادة”، بل على معنى الالتزام ذاته.

الطبيب لا يواجه أزمة واحدة.. بل ثلاث طبقات من الضغط

من الخطأ اختزال ما يجري في ملف رواتب. الطبيب في الضفة الغربية محاصر بثلاث دوائر متداخلة، كل واحدة منها كافية وحدها لإرباك أي منظومة صحية في العالم:

الدائرة الأولى: الاحتلال. احتجاز أموال المقاصة منذ أكثر من خمسة عشر شهراً، بأرصدة تقترب من ستة مليارات دولار، ومنع نحو 170 ألف عامل فلسطيني من مصدر رزقهم، وأكثر من ألف حاجز عسكري تعيق حركة سيارات الإسعاف وتجبر الطواقم على أسلوب “النقل المتتالي” البدائي بين البوابات الحديدية. هذه ليست ظروفاً تشغيلية صعبة؛ إنها استهداف مباشر للحق في الصحة كأداة ضغط سياسي.

الدائرة الثانية: الإدارة المالية للسلطة. الخزينة مأزومة فعلاً، وهذا لا ينكره أحد. لكن الأزمة لا تُلغي مسؤولية الحكومة عن كيفية توزيع ما هو متاح، ولا عن الوفاء بما وقّعت عليه بخط يدها. حين تُصرف مستحقات كاملة لفئة وظيفية بعينها، بينما تُؤجَّل استحقاقات آلاف الأطباء الموقّعة والمعترف بها، فإن المشكلة لم تعد شحّ سيولة بل خللاً في سلّم الأولويات.

الدائرة الثالثة: بنية القطاع نفسه. مستشفيات حكومية تعمل بديون تقترب من حجم موازنتها السنوية بأكملها، ومستودعات دواء لا تحوي سوى خُمس الأصناف الأساسية، وقوائم انتظار جراحية تتضخم حتى بلغت العمليات المؤجلة نحو عشرة آلاف عملية منذ مطلع العام.

الطبيب يقف في مركز هذه الدوائر الثلاث. وهو الوحيد الذي يواجه المريض وجهاً لوجه ويشرح له لماذا لا يوجد دواء، ولماذا تأجّلت عمليته، ولماذا عليه أن يشتري مستلزمات جراحته من جيبه. يتلقى الغضب كاملاً، ولا يملك من أسبابه شيئاً.

الأجر المنقوص: حساب بسيط لا يحتاج خبيراً

منذ نهاية عام 2021 يتقاضى الموظف العمومي الفلسطيني أجراً منقوصاً بشكل شبه دائم، وقد أعلنت وزارة المالية أن نسبة 50% ستستمر حتى نهاية العام الجاري.

ضع هذه النسبة في سياق مهنة الطب تحديداً:

  • الطبيب المقيم في برنامج الاختصاص يخضع لتدريب يمتد من أربع إلى خمس سنوات، بجدول يشمل خمسة أيام عمل وثلاث مناوبات أسبوعياً.
  • لا يستطيع تقليص ساعاته، لأن البرنامج التدريبي يفرض حداً أدنى من الساعات السريرية.
  • لا يستطيع العمل خارج القطاع الصحي الحكومي، لأن نظام الاختصاص يمنعه.
  • عدد هؤلاء لا يتجاوز 470 طبيباً في الضفة كلها — وهم العمود الفقري التشغيلي للمستشفيات الحكومية.

بعبارة أخرى: هذه هي الشريحة الأقل قدرة على تعويض النقص في دخلها، والأكثر ضرورة لاستمرار عمل المستشفى. ومع ذلك هي التي تنتظر منذ شهور صرف رواتبها كاملة، رغم أن كلفة ذلك — بمقاييس أي موازنة — هامشية.

يضاف إلى ذلك مستحقات العمل الإضافي والمناوبات المتراكمة. المناوبة ليست تطوعاً؛ هي عمل مؤدّى فعلاً، ومسجَّل في السجلات، ومعترف به رسمياً. تأجيل صرفه لسنوات ليس تقشفاً، بل تحويل الطبيب إلى دائن قسري للخزينة العامة.

ما لا يُقاس بالمال: بيئة العمل والحماية القانونية

الاختزال الأخطر في تناول ملف الأطباء هو حصره في الراتب. مطالب المهنة تشمل ملفات لا تكلف الخزينة شيئاً تقريباً، ومع ذلك ظلت معلّقة:

الحماية من الأخطاء الطبية. الطبيب في المستشفى الحكومي يعمل بلا تأمين ضد الأخطاء الطبية، فإذا وقعت مضاعفة أو خطأ، تُرك ليواجه المساءلة وحده، وكأن الجهة المشغِّلة ليست طرفاً. المبدأ المهني في العالم كله أن المساءلة تلاحق المشغِّل أولاً، لا الحلقة الأضعف في السلسلة.

غياب المصطلح القانوني الطبي المتفق عليه. لا تزال المنظومة الفلسطينية تفتقر إلى معجم قانوني-طبي معتمد يميّز بين المضاعفة المتوقعة والخطأ والإهمال، ما يجعل كل قضية عرضة لتقدير اجتهادي.

بيئة العمل الآمنة. الاعتداءات المتكررة على الطواقم داخل أقسام الطوارئ ملف مفتوح منذ سنوات، وقد بلغ في بعض المحافظات حدّ التلويح بإغلاق شامل للخدمة. الطبيب الذي يخشى على سلامته الجسدية داخل قسمه لا يمكن أن يُطالَب بأداء مثالي.

أوضاع أطباء الامتياز. أول سنة عملية في حياة الطبيب، وهي التي تُبنى عليها المهنة كلها، تُدار في أضعف الظروف من حيث الأجر والإشراف.

هذه المطالب لا تحتاج إلى إفراج عن أموال المقاصة. تحتاج إلى قرار.

الجرح الأخلاقي: حين يصبح الطبيب واجهة لفشل ليس فشله

في أدبيات الصحة المهنية مصطلح دقيق هو “الأذى الأخلاقي” (Moral Injury): الضرر النفسي الذي يصيب المهني حين يُجبَر على ممارسة تتناقض مع ضميره المهني، ليس لتقصير منه بل لأن النظام من حوله يمنعه من فعل الصواب.

هذا بالضبط ما يعيشه الطبيب الفلسطيني اليوم. أن تعرف التشخيص، وتعرف العلاج، ثم تفتح خزانة الأدوية فلا تجده. أن تحدد موعد عملية عاجلة، ثم تدرجها في قائمة انتظار تمتد شهوراً. أن تحوّل مريضاً إلى مستشفى خاص وأنت تعلم أنه لا يملك ثمن التحويل. أن تخبر أماً بأن دواء طفلها المصاب بالشلل الدماغي غير متوفر، وقد توقف زوجها عن العمل أصلاً.

هذا الاستنزاف لا يظهر في أي جدول رواتب، لكنه أول ما يدفع الأطباء إلى الباب — وحين يخرجون، لا يعودون.

نزيف الكوادر: الكلفة التي تُدفَع لاحقاً

كل طبيب اختصاص يغادر النظام الصحي الحكومي يمثل خسارة استثمار تدريبي يمتد سنوات، ولا يمكن تعويضه بقرار إداري ولا بدورة تدريبية. والخيارات أمام الطبيب الشاب اليوم ثلاثة لا رابع لها:

  1. البقاء في القطاع الحكومي بنصف راتب وبيئة عمل منهكة.
  2. الانتقال إلى القطاع الخاص، الذي يعاني هو الآخر من تأخر مستحقاته الحكومية لكنه يبقى أقدر على الدفع.
  3. الهجرة إلى سوق عمل إقليمي أو دولي يستقبل الطبيب الفلسطيني بترحاب، ويقدّر شهادته وخبرته الميدانية النادرة.

وهنا تكمن المفارقة القاسية: النظام الصحي الفلسطيني ينفق سنوات في تدريب طبيب اختصاص، ثم يدفعه — بسياساته لا بنيّته — إلى تسليم ثمرة هذا التدريب لنظام صحي آخر.

وفي المقابل، تنفق الخزينة على نتيجة ضعف القطاع العام أكثر مما قد تنفقه على معالجته: كلفة التحويلات الطبية إلى المستشفيات الخاصة وغير الربحية بلغت في عام واحد نحو 960 مليون شيكل لـ96 ألف حالة. أي أن تجويع المستشفى الحكومي لا يوفّر المال، بل ينقله من بند إلى بند مع خسارة صافية في جودة الخدمة وكرامة العاملين.

الكرامة ليست بنداً في الموازنة

في قلب هذا الملف مسألة لا تُحلّ بالأرقام: الشعور بالتمييز.

حين يرى الطبيب فئات وظيفية أخرى تحصل على مستحقاتها كاملة أو دفعات استثنائية، بينما تُماطَل الاتفاقيات الموقّعة معه، فإن ما يُجرح ليس دخله فحسب، بل موقعه في التراتبية الوطنية. الرسالة الضمنية التي يتلقاها هي: أنت مهم في اللحظة التي نحتاجك فيها، وقابل للتأجيل في كل ما عدا ذلك.

وقد صاغت النقابة هذا المعنى بوضوح حين وصفت النهج المالي بأنه “كيل بمكيالين”، وأعلنت أن كرامة الطبيب خط أحمر. وهي صياغة تستحق أن تُقرأ بجدية: لا يوجد طبيب في العالم يطالب بامتياز على مواطنيه، لكن كل طبيب في العالم يطالب بألا يكون هو تحديداً باب التوفير الأول كلما ضاقت الخزينة.

دورة مفرغة: نتفق ثم لا نلتزم ثم نتفق مجدداً

المشهد المتكرر خلال العام الجاري وحده يكفي لتشخيص الخلل البنيوي في العلاقة بين النقابة والحكومة:

تصعيدوساطةاتفاق أو تفاهم غير معلنعودة الأطباء للعمل “إكراماً للشعب”عدم تنفيذتصعيد جديد.

في كل دورة، يقدّم الأطباء تنازلاً حقيقياً وفورياً — يعودون إلى المستشفيات، وتُستأنف الخدمة، ويُرفع الضغط عن الحكومة. وفي المقابل يتلقّون وعداً مؤجلاً. ثم يتبيّن أن الوعد لم يكن مضموناً بجدول ولا بآلية رقابة ولا حتى بنص معلن.

هذه المعادلة غير متكافئة بطبيعتها: طرف يدفع نقداً، وطرف يدفع بشيك مؤجل قد لا يُصرف. واستمرارها لا يستنزف حقوق الأطباء فحسب، بل يستنزف أداة التفاوض ذاتها — لأن كل اتفاق لا يُنفَّذ يجعل الاتفاق التالي أصعب وأغلى وأقل تصديقاً.

ومن الإنصاف القول إن النقابة، رغم ذلك، ظلت تُبقي سقف تصعيدها تحت سقف الضرر: استثناء الحالات الطارئة والمنقذة للحياة، واستثناء عيادات الأورام والكلى، وتوجيه أطباء الامتياز إلى أقسام الطوارئ. أي أن الأطباء يخوضون احتجاجهم وهم يحملون هم المريض في الوقت ذاته — وهو التزام أخلاقي لم يُقابَل بالتزام مماثل من الطرف الآخر.

أن تنتقد المشغِّل لا يعني أن تعفي الاحتلال

من المهم ألا يُقرأ هذا النقد خارج سياقه. جذر الأزمة المالية الفلسطينية ليس سوء إدارة محلي، بل قرار إسرائيلي بتجفيف الموارد: احتجاز المقاصة، خنق حركة العمال، عرقلة المعابر، تهديد العلاقة المصرفية، وتصفية دور الأونروا والمنظمات الدولية. وقد وصف الدكتور مصطفى البرغوثي مجمل هذه العوامل بأنها خطة “محكمة ومدروسة” لتحويل الحق في الصحة إلى ساحة ضغط سياسي.

لكن الاعتراف بالسبب الجذري لا يمنح تفويضاً مفتوحاً في إدارة ما تبقّى. فالحكومة، مهما ضاقت مواردها، تظل مسؤولة عن ثلاثة أمور لا علاقة لها بالمقاصة:

  1. الشفافية: إعلان معادلة توزيع السيولة على الفئات الوظيفية بوضوح، لأن جزءاً كبيراً من الغضب مصدره الغموض لا الرقم.
  2. الوفاء بالموقَّع: الاتفاقية التي تُوقَّع باسم الحكومة تلزم الحكومة، لا الوزير الذي وقّعها ولا الظرف الذي وُقّعت فيه.
  3. حماية الفئات الحرجة: انهيار الأطباء المقيمين وأطباء الامتياز لا يعني خسارة موظفين، بل انهيار البرامج التدريبية وتشغيل المستشفيات معاً — وهذه خسارة لا تُستدرك بعد سنوات.

ما الذي يستحقه الطبيب الفلسطيني الآن؟

ليست هذه دعوة إلى المستحيل، بل إلى الممكن المؤجَّل:

  • جدول زمني مكتوب ومعلن لتنفيذ الاتفاقيات الموقّعة، بدل التفاهمات الشفوية التي تنهار عند أول اختبار.
  • معاملة استثنائية للأطباء المقيمين وأطباء الامتياز، باعتبارهم فئة لا تملك بديلاً ولا مخرجاً.
  • صرف مستحقات المناوبات والعمل الإضافي ولو مجدولةً على دفعات معلنة، لأنها أجر عن عمل مؤدّى لا منحة.
  • تأمين ضد الأخطاء الطبية في المستشفيات الحكومية، ونقل المساءلة إلى المشغِّل.
  • قانون واضح لحماية الطواقم الطبية داخل المرافق الصحية.
  • فصل التمويل الصحي الطارئ عن أزمة الرواتب العامة، وتوجيه الدعم الدولي إليه عبر قنوات مخصّصة ومراقَبة.
  • آلية تحكيم دائمة بين الحكومة والنقابات، تراقب التنفيذ وتصدر تقارير دورية، بدل استدعاء الوسطاء عند كل انفجار.

لم يطلب الطبيب الفلسطيني يوماً أن يكون استثناءً. كل ما يطالب به أن يُعامَل كطرف في عقد، لا كاحتياطي أخلاقي يُستدعى عند الكارثة ويُنسى عند التسوية.

وحين يخرج الأطباء إلى الاحتجاج، فإنهم لا يساومون على أرواح المرضى — بل يحذّرون من أن المنظومة التي تحمي هؤلاء المرضى تُستنزف حتى العظم، وأن استمرار الصمت عليها سيكلّف المجتمع الفلسطيني أضعاف ما تكلّفه الاستجابة اليوم.

الأمم لا تُقاس بعدد أطبائها، بل بقدرتها على الاحتفاظ بهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى