الأخبارمقالات

أسنانٌ تتكسّر من الجوع: قراءة طبية في تدهور صحة الأسرى بسجن النقب

تجمع الأطباء الفلسطينيين المستقلين — تحقيق ومتابعة

في السجون، نادرًا ما يكون الفم أول ما ينتبه إليه المراقبون. لكنه، طبيًا، من أكثر أعضاء الجسم صدقًا في الإفصاح عن الجوع. وحين يصل التدهور إلى حدّ أن يتكسّر السنّ من تلقاء نفسه، فإن ما يجري لم يعد شكوى من “رداءة الطعام”، بل مؤشر سريري على سوء تغذية مزمن بلغ مرحلة متقدمة.

هذا تحديدًا ما أعلنه مكتب إعلام الأسرى، حين كشف أن عددًا من الأسرى في سجن النقب الصحراوي يعانون ضعفًا حادًا وتكسّرًا متكررًا في أسنانهم، وفقدانًا كبيرًا في أوزانهم، في ظل ما وصفه بسياسة تجويع ممنهجة وإهمال طبي متواصل.

ما الذي قاله البيان

أفاد المكتب بأن إدارة السجن تقدّم كميات قليلة من الطعام تفتقر إلى القيمة الغذائية، وأن ذلك أدى إلى تدهور صحة الأسرى وإضعاف أسنانهم إلى حدّ تكسّر بعضها من تلقاء نفسه. وأشار إلى أن الأسرى يفقدون أوزانًا كبيرة بسبب نقص الغذاء، بينما تتفاقم مشكلات الأسنان دون إجراء الفحوص أو توفير العلاج اللازم.

وحذّر المكتب من أن استمرار الوضع على ما هو عليه يهدد بفقدان مزيد من الأسنان وبتدهور خطير في الحالة الصحية العامة، مطالبًا المؤسسات الدولية والحقوقية واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتدخل العاجل لوقف هذه السياسة وضمان توفير غذاء متوازن وعلاج مناسب.

وليست هذه المرة الأولى التي تُرصد فيها شكاوى الأسنان في مرافق النقب. ففي يونيو/حزيران الماضي، أفاد المكتب ذاته بأن عددًا من الأسرى في سجن “جانوت” في صحراء النقب يشكون آلامًا حادة في الأسنان والأضراس، مع صعوبة الوصول إلى العلاج المناسب أو الحصول على متابعة طبية منتظمة. الجديد اليوم أن الشكوى انتقلت من الألم إلى الفقدان البنيوي للنسيج السنّي.

لماذا تتكسّر الأسنان؟ القراءة السريرية

من منظور طب الأسنان وطب التغذية، لا يُعدّ تكسّر الأسنان الجماعي حدثًا عرضيًا، بل نتيجة متوقعة لتقاطع عدة آليات مرضية تعمل في الوقت نفسه:

أولًا: نقص فيتامين ج وانهيار الكولاجين. فيتامين ج ضروري لتخليق الكولاجين الذي يشكّل العمود الفقري للنسج الرابطة والعظم، وقد وُثّق دور نقصه في ضعف هذه النسج ونزف اللثة وسوء التئام الجروح واضطراب تكوين العظم. وفي حالات الحرمان الغذائي المديد يتحول الأمر إلى داء الأسقربوط، الذي تُعدّ أعراضه الفموية — التهاب اللثة النزفي وارتخاء الأسنان وسقوطها — من علاماته الكلاسيكية. والغذاء الفقير بالخضار والفواكه الطازجة، وهو النمط الذي تصفه شهادات الأسرى، هو البيئة المثالية لهذا النقص.

ثانيًا: نقص الكالسيوم وفيتامين د والبروتين. يؤدي عجز هذه العناصر إلى استنزاف المخزون العظمي، بما فيه العظم السنخي الحامل للأسنان، ما يعني فقدان الدعامة العظمية حول الجذور. وهنا تصبح الحركة السنّية والانخلاع نتيجة مباشرة، لا مضاعفة بعيدة.

ثالثًا: جفاف الفم ونقص اللعاب. اللعاب هو خط الدفاع الطبيعي الأول: يعادل الحموضة، ويعيد تمعدن الميناء، ويحدّ من النمو الجرثومي. وفي بيئة صحراوية شديدة الحرارة مع تقييد مياه الشرب — وهو ما ورد في شكاوى أسرى النقب — ينخفض تدفق اللعاب، فتتسارع دورة النخر وتفقد الميناء صلابتها.

رابعًا: النمط الغذائي القائم على النشويات المكرّرة. حين يُختزل الطعام إلى الخبز والقليل من المعلبات، يصبح الوسط الفموي حمضيًا بشكل شبه دائم، وهو ما يسميه طب الأسنان “التحدي الحمضي المتكرر”، المؤدي إلى إزالة تمعدن الميناء وهشاشتها.

خامسًا: التأخر العلاجي. النخر غير المعالج يتقدم إلى اللبّ، ثم إلى خراج ذروي، وقد يصل إلى إنتان فموي أو انتشار جهازي. وفي غياب الفحص والعلاج المحافظ، يصبح القلع الخيار الوحيد المتاح لاحقًا، أي أن الإهمال نفسه يتحول إلى سبب مستقل لفقدان الأسنان.

مجتمعةً، تفسّر هذه الآليات لماذا يمكن لسنّ سليم نسبيًا أن ينكسر تحت ضغط مضغ عادي بعد أشهر من الحرمان الغذائي.

الفم مرآة الجسد

الأهم سريريًا أن ما يظهر في الفم ليس المشكلة، بل عارضها. فحين يصل النقص الغذائي إلى مرحلة تتلف فيها الأنسجة المتمعدنة، يكون قد أصاب قبلها الكتلة العضلية والمناعة والوظائف الأخرى.

وهذا ما تؤكده حالات موثقة. فقد ذكرت محامية الأسير الفتى وليد أحمد (17 عامًا)، الذي توفي في مارس/آذار 2025، أن التشريح أظهر فقدانًا كبيرًا للوزن والكتلة العضلية والدهون وضعفًا في جهاز المناعة، وأن جسمه لم يقوَ على مقاومة العدوى حين أصيب بها. وفي السياق ذاته، حذّر ناجي عباس، مدير قسم السجناء والمعتقلين في منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان”، من أن الجوع المزمن جعل المعتقلين معرضين بشدة للإصابة بأمراض أخرى.

بعبارة أخرى: الأسنان المتكسّرة إنذار مبكر لأجساد فقدت قدرتها على الدفاع عن نفسها.

ليست حالة معزولة

تتقاطع شكوى الأسنان مع سلسلة من الاعتلالات المرصودة في المرفق نفسه خلال الأشهر الأخيرة، وكلها ترتد إلى الجذر التغذوي ذاته:

  • البواسير والنزف: أفاد مكتب إعلام الأسرى قبل أيام بأن عددًا من أسرى النقب يعانون البواسير وآلامًا حادة وصلت لدى بعضهم إلى نزيف متكرر، مرجعًا ذلك إلى الإمساك المزمن الناتج عن قلة الطعام وتدني جودته ونقص الألياف ومياه الشرب.
  • الجرب والفطريات: رصدت تقارير سابقة انتشارًا واسعًا للجرب والفطريات بين الأسرى في غياب العلاج الكافي وتأخر الرعاية الطبية، مع نقص حاد في الملابس والأغطية ومواد النظافة، واضطرار بعضهم إلى النوم على الأرض.
  • الاكتظاظ: وهو عامل مضاعف. إذ يشير تقرير مكتب الدفاع العام الإسرائيلي إلى أن المعتقلين يُمنحون حصصًا غذائية شحيحة ويُحتجزون في ظروف غير صحية سمحت بانتشار الأمراض سريعًا في زنازين ضيقة ومكتظة.

هذه ليست أمراضًا متفرقة، بل متلازمة بيئة احتجاز واحدة: نقص السعرات، ونقص المغذيات الدقيقة، ونقص الماء، ونقص النظافة، وغياب الاستجابة الطبية.

أرقام الإطار العام

  • أفادت مؤسسات الأسرى بأن عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال تجاوز 9600 أسير حتى مطلع أبريل/نيسان 2026، استنادًا إلى معطيات صادرة عن إدارة السجون.
  • ووفق تقرير حقوقي إحصائي، فإن الأسرى موزعون على 23 سجنًا ومركز توقيف وتحقيق، بينهم 99 أسيرة من بينهن ثلاث حوامل وأسيرتان مصابتان بالسرطان، وأكثر من 350 طفلًا وقاصرًا.
  • أما شهداء الحركة الأسيرة، فقد أشار مركز فلسطين لدراسات الأسرى إلى أن منظمات وهيئات إسرائيلية كشفت عن استشهاد ما لا يقل عن 115 أسيرًا منذ السابع من أكتوبر 2023، بينما أعلن الاحتلال عن 90 حالة فقط.

تجويع موثّق قضائيًا

ما يجعل بيان مكتب إعلام الأسرى أثقل وزنًا أنه لا يقف وحده. فقد سبق أن أقرّت المحكمة العليا الإسرائيلية بأن السجون لا تقدم طعامًا كافيًا للأسرى الفلسطينيين، وأمرت بتحسين الأوضاع — ومع ذلك استمر خروج الأسرى مصابين بالهزال، وتواصلت شهاداتهم عن الجوع الشديد بعد خمسة أشهر من صدور الحكم.

ومن الشهادات التي راجعتها وكالة رويترز رواية الصحفي الأسير المحرر سامر خويرة (45 عامًا)، الذي قال إنه كان يحصل يوميًا على عشر قطع رقيقة من الخبز مع قليل من الحمص والطحينة وبعض التونة مرتين أسبوعيًا، وإنه فقد 22 كيلوغرامًا خلال تسعة أشهر، وخرج مغطى بقروح الجرب ونحيلًا إلى حدّ أن ابنه ذا التسعة أعوام لم يتعرف عليه. وقد راجعت الوكالة 13 شهادة مماثلة اشتكى فيها 27 أسيرًا من نقص الطعام، وأكد معظمهم أن المؤن لم تتغير بعد أمر المحكمة.

ويضاف إلى ذلك بعد إداري ذو دلالة: أفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين في وقت سابق بأن إدارة السجون باشرت خصم أموال من حسابات “الكنتينا” الخاصة بالأسرى الذين يراجعون عيادة الأسنان لعلاج الالتهابات والتلف الناجمين عن الإهمال الطبي. أي أن كلفة الضرر تُحمَّل للمتضرر نفسه.

الإطار القانوني والأخلاقي

الغذاء الكافي والرعاية الصحية ليسا امتيازًا تمنحه إدارة السجن، بل التزام قانوني.

فقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) تُلزم بتوفير طعام ذي قيمة غذائية كافية وماء صالح للشرب، وتقرّ بأن الرعاية الصحية للمحتجزين مسؤولية الدولة، وبأنهم يستحقون المعيار ذاته المتاح في المجتمع دون تمييز. واتفاقية جنيف الرابعة تُلزم السلطة القائمة بالاحتلال بضمان الإمدادات الغذائية والطبية لمن هم تحت سيطرتها.

وفي حكمها الصادر مطلع يونيو/حزيران الماضي بشأن زيارات الصليب الأحمر، شددت المحكمة على أن الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الرابعة لا تخضع لمبدأ المعاملة بالمثل، وأن الرقابة الخارجية المستقلة على أماكن الاحتجاز تشكّل ضمانة أساسية لا يجوز المساس بها.

وهنا تحديدًا يقع العبء المهني على الجسم الطبي. فحين يُمنع الفحص وتُحجب المعالجة، لا تكون المسألة نقصًا في الموارد بل قرارًا إداريًا يتعارض مع أخلاقيات المهنة، ويضع الكوادر الطبية العاملة داخل منظومة الاحتجاز أمام إشكالية “الولاء المزدوج” التي حسمتها المواثيق الطبية الدولية لمصلحة المريض لا لمصلحة الجهة الحاجزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى