تسعة كيلومترات ومبنى مغلق..”مركز حوارة للطوارئ والولادة الآمنة” الذي صار كلية تمريض
في الظروف الطبيعية، لا تحتاج المسافة بين قريوت ومستشفيات نابلس إلى أكثر من ثلث ساعة. أقل من ذلك إذا كانت السيارة إسعافاً وكانت أضواؤها مضاءة.
ليل الأحد الماضي لم يكن طبيعياً. امرأة في شهرها السادس، متصلة بأنبوب أكسجين داخل مركبة إسعاف، توقفت عند حاجز عورتا العسكري جنوب نابلس. الأمر الذي تلقّاه السائق كان بسيطاً وقاتلاً في آن: أطفئ المحرك. ومع المحرك توقفت الأجهزة التي كانت تُبقي المريضة على قيد الاتزان. احتُجز الطاقم الطبي. خضعت المرأة للتفتيش وهي تنزف. مرّت نصف ساعة، وربما أكثر، قبل أن تُرفع البوابة.
وصلت إلى المستشفى في النهاية. أنقذ الأطباء حياتها، وأعلنوا وفاة جنينها.
بعدها بساعات، أصدرت بلدية حوارة بياناً لم يتوقف عند الحاجز. تحدث عن شيء آخر: عن حرمان البلدة والقرى المجاورة من مركز صحي مؤهل يوفّر ولادة آمنة، “تحت ذرائع أو اعتبارات جغرافية أو اقتصادية”.
الجملة تبدو إدارية باردة. لكن خلفها ملفاً يمتد ستاً وعشرين سنة.
المبنى الذي دفع أهله ثمنه
في حوارة مبنى صحي قائم منذ عام 2000. لم تبنه وزارة ولا ممول دولي، بل جُمع ثمنه من متبرعين ومن أهالي البلدة أنفسهم، في واحدة من تلك الحملات الأهلية التي عرفتها الضفة في سنوات الانتفاضة الثانية، حين كان الوصول إلى نابلس مغامرة يومية.
بُني ليكون مستشفى طوارئ. وفي سجلات وزارة الصحة حمل اسماً لا لبس فيه: مركز حوارة للطوارئ والولادة الآمنة.
الاسم بقي. الوظيفة بقيت غائبة.
عام 2009، جرى الاتفاق مع الوزارة على تسليم المبنى. وفي العام نفسه نُقلت إليه كلية ابن سينا للعلوم الصحية من مقرها القديم في بيتونيا قرب رام الله. صار المبنى الذي أنشأه أهل حوارة لاستقبال حالات الولادة الطارئة قاعات دراسية تُدرَّس فيها القبالة والتمريض.
مفارقة يصعب تجاهلها: طالبات يتعلمن التوليد في مبنى لا يجوز فيه التوليد.
بقي الحال على ما هو عليه ستة عشر عاماً. وفي أيلول من العام الماضي، لخّص رئيس بلدية حوارة جهاد عودة الحصيلة في مقابلة تلفزيونية بلغة لا تحتمل التأويل: المستشفى شُيّد قبل أكثر من خمسة عشر عاماً بتمويل محلي، ولم يُفعَّل بالشكل المطلوب، بل استُخدم سنوات طويلة لصالح الكلية. وما تحتاجه البلدة اليوم – قال: قسم طوارئ حقيقي وولادة آمنة لجنوب نابلس، غير أن نقص الكادر والموارد حال دون ذلك. وأضاف جملة مرّت في حينها دون ضجيج: خلال الأحداث الأخيرة فقدنا أرواحاً لأننا لم نقدر على إنقاذ مصابين، ولا على التعامل مع حالات ولادة طارئة.
خمسة أسرّة وطبيب لا يأتي كل يوم
لكن اختزال القصة في “قسم ولادة غائب” يبسّطها أكثر مما ينبغي. المشكلة أعمق: ما كان يعمل داخل المبنى لم يبلغ يوماً الحد الأدنى الذي يجعل أي ولادة آمنة.
التوصيف الذي قدّمه مسؤولون محليون قبل عامين كان صادماً في تواضعه: خمسة أسرّة عاملة، سيارة إسعاف واحدة، طبيب واحد لا يتواجد يومياً، ولا مختبر ولا أشعة. أي أن المرفق الوحيد المتاح لنحو مئة وثلاثين ألف إنسان في جنوب نابلس كان — عملياً — نقطة إحالة لا أكثر. تُستقبل الحالة فيه لتُحوَّل منه.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين طبياً، لأن كلمة “ولادة آمنة” تُستخدم كثيراً وتُفهم قليلاً.
المستوى الأول من الرعاية التوليدية الطارئة يعني قدرة المرفق على إعطاء المضادات الحيوية ومقبضات الرحم ومضادات الاختلاج بالحقن، وعلى نزع المشيمة يدوياً، وعلى إنعاش الوليد. هذا الحد الأدنى، وهو غير مكلف نسبياً. أما المستوى الشامل فيضيف عنصرين لا بديل عنهما: العملية القيصرية، ونقل الدم. وكلاهما مستحيل بلا مختبر، ولا وحدة دم، ولا طاقم تخدير مناوب.
خمسة أسرّة وطبيب متقطع الحضور لا يبلغان المستوى الأول.
بعبارة أخرى: لو أن حامل قريوت وصلت تلك الليلة إلى حوارة بدل نابلس، لكان مصيرها الأرجح أن تُحوَّل مرة أخرى. المسافة كانت ستقصر، والنتيجة قد لا تتغير.
حين يصبح القرب وهماً
يبقى السؤال المزعج: لماذا لم يُفعَّل؟
الإجابة التي تتردد في أروقة التخطيط الصحي منطقية على الورق. لا يُنشأ مرفق توليد ثانوي على بُعد تسعة كيلومترات من مدينة تضم مستشفيات حكومية وجامعية وخاصة. معدل الإشغال المتوقع لا يبرر كلفة كادر مناوب على مدار الساعة: توليد، وتخدير، وأطفال حديثي الولادة، ومختبر، وبنك دم. المال محدود، والأولويات كثيرة، والمسافة قصيرة.
هذا المنطق صحيح تماماً — في بلد تُقاس فيه المسافات بالكيلومترات.
في الضفة الغربية تُقاس المسافات بالبوابات. وحتى نهاية العام الماضي، كان هناك ما يزيد على تسعمئة عائق يقيّد حركة أكثر من ثلاثة ملايين إنسان، بزيادة تقارب النصف عن متوسط العقدين السابقين، وتشكّل الحواجز والبوابات الحديدية نحو ستين بالمئة منها. أما إعاقة الطواقم الطبية تحديداً فلم تعد حادثاً عارضاً: مئات الحالات الموثقة سنوياً، أكثر من ثمانين بالمئة منها تأخير عند حاجز، أو تفتيش لسيارة إسعاف، أو منع طاقم من الوصول إلى مريض.
حين يصير هذا نمطاً لا استثناءً، ينهار معيار “القرب الجغرافي” من أساسه. فالمسافة الفعلية بين حوارة ونابلس ليست تسعة كيلومترات، بل عدداً غير معروف من الدقائق القابلة للمصادرة في أي لحظة، من قِبل جندي لا يعرف أن في السيارة امرأة تنزف، أو يعرف ولا يبالي.
منظومة صحية تعرف هذا بالأرقام، ثم تبني خططها على افتراض أن الطريق سالكة، تكون قد بنت على فرضية تعلم أنها غير صحيحة.
أسبوع واحد، خمس ولادات
ما جرى في الأيام العشرة الأخيرة جنوب نابلس لم يكن استثناءً بقدر ما كان اختباراً ميدانياً لهذه الفرضية كاملة.
في ثمان وأربعين ساعة فقط، اضطرت خمس نساء في المحافظة إلى الولادة خارج المستشفيات: واحدة داخل مركبة خاصة، وأخريات في سيارات إسعاف أو في مراكز صحية قروية لا تصلح لذلك. في عقربا، استقبل مجمع دار الحكمة الطبي حالتي ولادة طارئتين في ليلة واحدة، وقال العاملون فيه ما يعرفه كل من يعمل في الميدان: المركز غير مجهز للولادات المعقدة ولا للتدخل الجراحي، وكل حالة تصله مخاطرة مفتوحة على أي احتمال.
أحد المسعفين روى ما هو أقسى: سيدة تنزف، سيارة إسعاف محتجزة أكثر من ساعتين، وطاقم اضطر في النهاية إلى إنزال المريضة ونقلها في مركبة مدنية خالية من أي تجهيز، لأن الجنود رفضوا مرور الإسعاف.
وقبل ذلك بأسبوع، توفيت سجود فقهاء، ثلاثون عاماً، أم لطفلين من سنجل، بجلطة قلبية، بعد أن تعذّر وصول الإسعاف إليها لأن بوابة حديدية عند مدخل البلدة كانت مغلقة.
هذه ليست سلسلة حوادث. هذه نتيجة نظام.
ومنذ عام ألفين، سُجّلت أكثر من مئة وثلاثين حالة ولادة على الحواجز، مات فيها عشرات الأطفال وعدد من الأمهات. رقم يتكرر في التقارير كل بضع سنوات، ولا يغيّر شيئاً.
من يتحمل هذا؟
من الإنصاف الفصل بين مستويين، دون أن يغطي أحدهما على الآخر.
المستوى الأول واضح ومباشر. إجبار سائق إسعاف على إطفاء محرك تعتمد عليه أجهزة مريضة، واحتجاز طاقم طبي، وتفتيش امرأة حامل تنزف، أفعال تُصنَّف دولياً بوصفها اعتداءً على الرعاية الصحية، وهي المسبب المباشر لما حدث عند عورتا. لا شيء في هذا المقال يخفف من ذلك أو يوزّعه.
المستوى الثاني أقل وضوحاً وأكثر إيلاماً، لأنه يخصّنا. غياب أي مرفق توليد طارئ يخدم مئة وثلاثين ألف إنسان جنوب نابلس هو ما حوّل الإعاقة إلى وفاة. الاحتلال صنع التأخير. والتخطيط الصحي هو ما قرر أن التأخير يعني موتاً.
ويتقاطع المستويان في نقطة واحدة لا مفر منها: من أصل نحو عشرة آلاف دونم هي مساحة حوارة، يقع ثلاثة أرباعها تقريباً في مناطق “ج” حيث يُمنع البناء الفلسطيني. بالحجة ذاتها رُفض إنشاء مقر للدفاع المدني داخل البلدة، فبقيت تغطيتها من بورين، ومن بورين إلى حوارة طريق تُغلق هي الأخرى.
سؤال المبنى الفارغ
المسار الأكاديمي حُسم تقريباً. أُلحقت كلية ابن سينا عام 2020 بجامعة نابلس للتعليم المهني والتقني، ووُضع حجر أساس مبناها الجديد عام 2021، ووُقّعت في أيلول الماضي اتفاقية تصميم مقرها الدائم بتمويل من الوكالة الفرنسية للتنمية.
أي أن الكلية في طريقها إلى الخروج.
وهذا يعيد السؤال إلى نقطة البداية، وقد صار هذه المرة عملياً لا خطابياً: ماذا سيحلّ بالمبنى الذي بناه أهل حوارة للطوارئ والولادة، حين تُخليه الكلية؟
الأسئلة التي تنتظر جواباً رسمياً محددة، ولا تحتمل الإنشاء:
هل ما زال المبنى مسجلاً لدى وزارة الصحة باسمه الأصلي، وما وضعه القانوني اليوم؟ وهل أُعدّت دراسة جدوى محدّثة لتفعيل رعاية توليدية طارئة في جنوب نابلس، تقوم على بيانات الإغلاق لا على المسافة على الخريطة؟ وكم يبلغ فعلياً الكادر اللازم — طبيب توليد، قابلات مناوبات، فني مختبر وأشعة، وحدة دم صغيرة — وكم كلفته السنوية إذا قيست بكلفة ما خسرناه؟ وأخيراً: لماذا لا تتضمن الخطة الصحية الوطنية للطوارئ مفهوم “مرفق الملاذ الأخير” في التجمعات المهددة بالعزل، رغم أن العزل موثق ومتكرر ومعروف مسبقاً؟
الجنين الذي فُقد عند حاجز عورتا لم يمت لأن المسافة كانت بعيدة. مات لأن تسعة كيلومترات صارت قابلة للإغلاق بقرار جندي، ولأن المبنى الذي كان قادراً على اختصارها ظل — طوال سبعة عشر عاماً — يُدرَّس فيه التوليد بدل أن يُمارَس.
في حوارة اليوم مبنى يوشك أن يفرغ من طلبته. وفي جنوب نابلس مئة وثلاثون ألف إنسان ينتظرون أن يقرر أحد ما لمن يفتحه.





