لا تسجّلوا أبناءكم في طب الأسنان.. نداء نقابي فلسطيني يكشف أزمة مهنة تختنق بخرّيجيها
في سابقة تعكس عمق الأزمة التي تعصف بالقطاع الصحي الفلسطيني من بوابة غير متوقعة، وجّهت نقابة أطباء الأسنان الفلسطينية نداءً مباشرًا إلى أولياء الأمور، دعتهم فيه إلى التروّي وعدم تسجيل أبنائهم في كليات طب الأسنان، محذّرة من أن الزيادة الكبيرة في أعداد الخريجين، مقابل محدودية فرص العمل والتدريب، أدّت إلى بطالة مرتفعة ومعاناة حقيقية يعيشها الزملاء الخريجون.
النداء، الذي حمل عنوان «نداء إلى أهالينا الكرام»، لم يكن مجرد بيان عابر، بل صرخة مهنية موجّهة إلى العائلات الفلسطينية عشية موسم التسجيل الجامعي، في مجتمع لطالما احتلت فيه المهن الطبية موقع الصدارة في طموحات الطلبة المتفوقين وأحلام ذويهم. فكيف تحوّل «حلم البالطو الأبيض» إلى عبء اقتصادي واجتماعي يدفع النقابة نفسها إلى التحذير منه؟
مهنة مشبعة.. والأرقام تتحدث
جذور الأزمة ليست وليدة اليوم. فمنذ سنوات، دقّ نقيب أطباء الأسنان ناقوس الخطر، داعيًا خريجي الثانوية العامة إلى التفكير مليًّا قبل الالتحاق بهذا التخصص، مؤكدًا وجود بطالة مرتفعة جدًا في صفوف أطباء الأسنان، وأن باب التوظيف الحكومي مغلق منذ سنوات عدة، وأن نسبة العاملين في الحكومة لا تتجاوز 5% من إجمالي الأطباء.
وتتجلى الفجوة بوضوح في برامج التدريب الإلزامي؛ إذ لا تتجاوز القدرة الاستيعابية لوزارة الصحة والقطاع الخاص في برامج الامتياز نحو 200 طبيب، بينما يبلغ عدد الخريجين سنويًا قرابة 400. بمعنى آخر: نصف الخريجين تقريبًا يجدون أنفسهم عالقين قبل أن تبدأ حياتهم المهنية أصلًا، إذ لا يمكن لطبيب الأسنان مزاولة المهنة قانونيًا قبل إتمام سنة الامتياز والتسجيل في النقابة.
وتؤكد بيانات الإحصاء الفلسطيني أن أزمة التخصصات الصحية باتت رقمًا موثّقًا لا انطباعًا نقابيًا؛ إذ بلغ معدل البطالة بين خريجي تخصصات الصحة نحو 24.4% وفق أحدث البيانات المتاحة، أي إن واحدًا من كل أربعة خريجين في المجال الصحي عاطل عن العمل، حتى قبل احتساب البطالة المقنّعة والعمل الجزئي بأجور زهيدة.
بيئة اقتصادية منهارة تضاعف الأزمة
يأتي النداء النقابي في ظرف اقتصادي هو الأسوأ في التاريخ الفلسطيني الحديث. فقد ارتفعت البطالة في قطاع غزة إلى 68% وفي الضفة الغربية إلى 28% نتيجة الانهيار الاقتصادي الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي، فيما تكشف البيانات صورة أكثر قتامة لجيل الشباب تحديدًا؛ إذ بات نحو ثلاثة أرباع الشباب خارج التعليم والتدريب وسوق العمل معًا.
في بيئة كهذه، تصبح عيادة الأسنان الخاصة – الملاذ التقليدي للخريج حين تُغلق أبواب التوظيف – مشروعًا شبه مستحيل. فتجهيز عيادة أسنان يتطلب استثمارًا يقدَّر بعشرات آلاف الدولارات بين كرسي المعالجة وأجهزة التصوير والتعقيم والمواد الاستهلاكية، في وقت انهارت فيه القدرة الشرائية للمواطنين، وتحوّل علاج الأسنان لدى شرائح واسعة من ضرورة صحية إلى رفاهية مؤجلة. والنتيجة عيادات تُفتتح بديون ثقيلة ثم تُغلق، وأطباء يهاجرون أو يعملون في مهن لا صلة لها بسنوات دراستهم الست.
التوسع الأكاديمي غير المدروس.. أصل الداء
المفارقة أن «توطين» دراسة طب الأسنان في فلسطين، الذي بدأ كإنجاز وطني مطلع الألفية، تحوّل مع الوقت إلى جزء من المشكلة. فقد تأسست أولى كليات طب الأسنان الفلسطينية عام 2000 بهدف توطين دراسة هذا التخصص محليًا، وتخرّج منها منذ ذلك الحين نحو ألف طبيب، ثم توالى افتتاح كليات طب الأسنان في جامعات الضفة والقطاع، من دون أن يواكب ذلك تخطيط للقوى العاملة الصحية يربط أعداد المقاعد الجامعية بالحاجة الفعلية للسوق وبالقدرة الاستيعابية لبرامج الامتياز.
وقد أقرّت وزارة الصحة الفلسطينية نفسها بهذا التحدي، حين اجتمعت لجنة الامتياز برئاسة الوزارة وعضوية نقابة أطباء الأسنان والجامعات المحلية والمجلس الطبي الفلسطيني لإعادة صياغة السياسات بما ينسجم مع الأعداد المتزايدة من خريجي طب الأسنان – اعتراف رسمي بأن الأعداد تجاوزت قدرة المنظومة على الاستيعاب.
قراءة في البعد الصحي العام: حين يصبح الفائض هدرًا
من منظور الصحة العامة، تحمل الأزمة مفارقة مؤلمة: فلسطين لا تعاني فائضًا حقيقيًا في الخدمات السنّية بقدر ما تعاني سوء توزيع وانهيارًا في القدرة على تشغيل مواردها البشرية. فالحاجة السكانية إلى خدمات صحة الفم – خصوصًا في غزة حيث دمّرت الحرب البنية الصحية وارتفعت معدلات أمراض الفم المرتبطة بسوء التغذية وانعدام مياه الشرب الآمنة وتوقف برامج الصحة المدرسية – حاجة هائلة ومتصاعدة. لكن هذه الحاجة لا تُترجم إلى «طلب فعلي» في سوق العمل، لأن المرضى فقدوا القدرة على الدفع، والقطاع الحكومي فقد القدرة على التوظيف، والمانحين يركّزون على التدخلات المنقذة للحياة.
هكذا يتشكّل مشهد عبثي: آلاف الأطباء العاطلين في مجتمع تتفاقم فيه أمراض الفم والأسنان دون علاج. إنه هدر مزدوج – هدر لاستثمار العائلات التي أنفقت عشرات آلاف الدولارات على تعليم أبنائها، وهدر لطاقة بشرية مؤهلة كان يمكن أن تسد فجوة صحية حقيقية لو توافر تمويل صحي عادل ومنظومة تخطيط رشيدة.
نداء إلى الجامعات.. والمسؤولية المشتركة
في ندائها الأخير، لم تكتفِ النقابة بمخاطبة الأهالي، بل دعت الجامعات والجهات المختصة إلى الالتزام بالطاقة الاستيعابية والمعايير الأكاديمية، وضمان جودة التعليم، وصون مستقبل المهنة والخريجين، مؤكدة أن اختيار التخصص «قرار مصيري يؤثر على مستقبل الأبناء»، وداعية أولياء الأمور إلى دراسة الواقع المهني بعناية واستشارة المختصين قبل اتخاذ قرار التسجيل.
وهنا تتوزع المسؤولية على أطراف عدة: جامعات تحوّلت برامج طب الأسنان لديها إلى مصدر دخل مالي مغرٍ بأقساطها المرتفعة، ووزارة تعليم عالٍ لم تفعّل أدوات ضبط الطاقة الاستيعابية، ووزارة صحة عاجزة عن التوظيف تحت وطأة الأزمة المالية المزمنة، واحتلال يخنق الاقتصاد الفلسطيني ويقيّد حركة الأفراد والمهن ويمنع أي أفق تنموي طبيعي.
مستقبل جيل على المحك
إن نداء نقابة أطباء الأسنان ليس دعوة إلى العزوف عن العلم، بل دعوة إلى التخطيط العقلاني في زمن الندرة. والمطلوب اليوم أوسع من قرار عائلي فردي: على وزارتي الصحة والتعليم العالي إقرار سياسة وطنية ملزمة لتخطيط القوى العاملة الصحية تربط القبول الجامعي بالحاجة الفعلية وبمقاعد الامتياز المتاحة، وعلى الجامعات الفلسطينية تغليب المسؤولية المجتمعية على الاعتبارات المالية، وعلى المنظمات الدولية والصناديق الصحية إدماج خدمات صحة الفم والأسنان في خطط التعافي الصحي، بما يحوّل «فائض» الخريجين إلى ذراع علاجية تخدم مئات آلاف المحتاجين. فمسؤوليتنا جميعًا، كما جاء في نداء النقابة، هي حماية مستقبل أبنائنا وتوجيههم نحو خيارات تحقق لهم الاستقرار والنجاح.





