أبحاث ودراساتالأخباردراسات

بالذكاء الاصطناعي.. تسعة أدوية معروفة تُربك المكوّرات الرئوية وتفتح باباً في جدار مقاومة المضادات الحيوية

في مختبرٍ بجامعة إمبريال كوليدج في لندن، لم يبدأ البحث عن سلاح جديد ضد واحدة من أخطر البكتيريا في العالم من أنبوب اختبار، بل من خوارزمية. فقد لجأ فريق بحثي بريطاني إلى الذكاء الاصطناعي لتحديد أدوية معتمدة سلفاً يمكن أن تكون فعّالة ضد بكتيريا المكوّرات الرئوية (Streptococcus pneumoniae)، المسؤولة عن التهابات مهدِّدة للحياة من بينها الالتهاب الرئوي والتهاب السحايا.

النتيجة التي خرج بها الفريق، بقيادة الباحث جوشوا فيتش وبإشراف الأستاذ المشارك بيدرو باييستر، تختصر سنوات من العمل المخبري في أسابيع: من بين نحو سبعة آلاف دواء جرى فحصها رقمياً، أثبتت تسعة مركّبات قدرةً مخبرية على تثبيط نمو البكتيريا، وتفوّق أحدها على البقية بقدرته على تجاوز آليات المقاومة في سلالات مقاومة لعدة أدوية.

كيف قرأت الآلة سبعة آلاف دواء

المنهج قائم على ما يُعرف بـ«إعادة توظيف الأدوية»، أي استعمال عقاقير مرخّصة أصلاً لأمراض أخرى في مواجهة أهداف علاجية جديدة. وميزة هذا المسار أن ملف الأمان الخاص بهذه الأدوية معروف مسبقاً، ما يوفّر الوقت والكلفة ويقلّص المخاطر مقارنة بتطوير مضاد حيوي من الصفر.

ودرّب الباحثون ثلاث بنى خوارزمية مختلفة: تجمّعات من أشجار القرار، وتجمّعات من الشبكات العصبية البيانية، وتجمّعات من نماذج المحوّلات المعتمدة على التسلسلات، وكلٌّ منها كان قد دُرّب مسبقاً على مئات الملايين من الجزيئات. وجرى تدريب هذه النماذج على مجموعة ضمّت 1898 جزيئاً معروف الفاعلية إلى جانب 39266 جزيئاً غير فعّال، ثم استُخدمت لفحص 6747 دواءً بشكل استباقي.

ومن بين هذه الآلاف، اختير أحد عشر مركّباً للتحقق المخبري، نجح تسعة منها في كبح نمو البكتيريا، وكان أحد أقوى دوائين معاد توظيفهما فعّالاً حتى ضد السلالات المقاومة للأدوية. ويشدّد الباحثون على أن تنويع البنى الخوارزمية الثلاث هو ما رفع دقة الاختيار، إذ كمّل كل نموذج نقص الآخر وقلّص احتمالات النتائج الإيجابية الكاذبة، بما جعل أداءها مجتمعةً أفضل من أداء أيٍّ منها منفرداً.

الثيوستربتون: دواء قديم بقدرة غير متوقعة

المركّب الذي خطف الانتباه هو الثيوستربتون، وهو مضاد حيوي معروف منذ عقود لكنه ظل محصوراً في الاستعمالات الموضعية والبيطرية لصعوبات تتعلق بذوبانه وامتصاصه. فقد أظهر فاعلية عند تراكيز بيكومولارية منخفضة، وتجاوز آليات المقاومة الراسخة في السلالات المقاومة لعدة أدوية.

وتقول أهمية هذه النتيجة إن جدار المقاومة الذي بنته البكتيريا عبر عقود من الاستعمال المفرط للمضادات الحيوية ليس مصمتاً بالضرورة، وإن جزءاً من الحل قد يكون موجوداً أصلاً على رفوف الصيدليات، بانتظار من يُحسن البحث عنه.

ويرى باييستر، الأستاذ المشارك في إمبريال كوليدج لندن وزميل ولفسون في الجمعية الملكية البريطانية، أن إعادة توظيف الأدوية بتوجيه الذكاء الاصطناعي باتت استراتيجية قوية في مواجهة مقاومة مضادات الميكروبات، وخصوصاً مع مسبّبات الأمراض التي تتوافر عنها جزيئات فعّالة معروفة يمكن استثمارها في تدريب النماذج وضبطها.

المكوّرات الرئوية تحت المجهر: بكتيريا اكتسبت مقاومتها بالتقاط الجينات وتعديل أهداف المضادات الحيوية.

لماذا المكوّرات الرئوية تحديداً

صنّفت منظمة الصحة العالمية المكوّرات الرئوية ضمن اثنتي عشرة نوعاً بكتيرياً يجب استهدافها بتطوير مضادات حيوية جديدة. وهي مُمْرِض تنفسي يقف خلف نسبة كبيرة من العدوى الشائعة التي تدفع إلى وصف المضادات الحيوية، كما أنها مسؤولة عن التهابات أشد خطورة تهدّد الحياة، من بينها الالتهاب الرئوي والتهاب السحايا. وقد اكتسبت هذه البكتيريا مقاومتها بطريقين: التقاط جينات المقاومة من محيطها، وتعديل جيناتها الأساسية التي ترمّز أهداف المضادات الحيوية.

وتضاعف الأزمةَ الاقتصاديات: فالاستثمار في تطوير مضادات حيوية جديدة ظل لعقود طويلة غير مجدٍ تجارياً لشركات الدواء، ما أوجد فجوة بين سرعة تطوّر البكتيريا وبطء تطوير العلاجات. وهنا تحديداً يقدّم الفرز الحوسبي المدعوم بالذكاء الاصطناعي مساراً أقصر وأرخص لتصفية آلاف المرشحين قبل إنفاق دولار واحد على المختبر.

من مختبر لندن إلى أسرّة غزة

لهذه النتائج صدى مباشر في السياق الفلسطيني، حيث تحوّلت مقاومة المضادات الحيوية من مسألة بحثية إلى سبب مباشر للبتر والوفاة.

ففي مستشفيات قطاع غزة، كانت نحو ثلثي العزلات البكتيرية (66.9%) مقاومة لعدة مضادات حيوية، وسجّلت 86% منها مؤشر مقاومة متعدد (MAR) يتجاوز 0.20. أما عزلات الجروح فأظهرت مقاومة عالية لمضادات السيفالوسبورين والأموكسيسيلين–كلافولانات، مع انتشار واسع للبكتيريا المنتجة لإنزيمات البيتالاكتاماز واسعة الطيف، ومعدلات مقاومة مرتفعة في البكتيريا موجبة الغرام بما فيها المكوّرات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين. وقد جرى تحليل أكثر من 1300 عينة من مستشفيات القطاع، خلص إلى انتشار أنواع خطيرة من البكتيريا المقاومة تؤدي إلى زيادة حالات البتر والوفيات في ظل شبه انعدام للمضادات الحيوية.

وسجّلت منظمة الصحة العالمية زيادة بنسبة 300% في مقاومة مضادات حيوية محددة لدى المرضى المصابين في القطاع، محذّرة من أن العدوى المقاومة للأدوية التي تنشأ في مناطق النزاع نادراً ما تبقى محصورة داخلها.

وكان الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، قد أعلن عن ارتفاع كبير في حالات بتر الأطراف داخل مستشفيات مدينة غزة نتيجة انتشار البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية وتدهور الوضع الصحي عموماً، موضحاً أن الأطباء يضطرون إلى البتر بسبب عدم التئام الجروح الناتج عن سوء التغذية ونقص المناعة والازدحام الشديد داخل المستشفيات.

بهذا المعنى، فإن كل مضاد حيوي يُستعاد من رفّ قديم بواسطة خوارزمية هو احتمال إضافي لإنقاذ طرف أو حياة في مستشفى يعمل بربع طاقته وبلا مختبرات أحياء دقيقة تعمل بكفاءة.

حدود يجب قولها بوضوح

الأمانة العلمية تقتضي تحديد حجم ما تحقق. فالنتائج مخبرية بحتة (in vitro)، أي أنها جرت على مزارع بكتيرية في المختبر لا في أجسام مرضى. والطريق من طبق «بتري» إلى وصفة طبية يمرّ بتجارب على الحيوان، ثم بمراحل سريرية تقيس الفاعلية والجرعة والسلامة والتداخلات الدوائية. والثيوستربتون تحديداً يواجه عقبة صيدلانية معروفة تتعلق بضعف امتصاصه، ما يفرض عملاً إضافياً على صياغته الدوائية قبل أي استعمال جهازي في البشر.

غير أن القيمة الحقيقية لا تكمن في دواء بعينه بقدر ما تكمن في المنهج: إثبات أن ثلاثية من النماذج المتنوعة قادرة على اختصار آلاف الاحتمالات إلى حفنة قابلة للاختبار، بنسبة نجاح بلغت تسعة من أحد عشر.

المصادر: دراسة جامعة إمبريال كوليدج لندن (سبتمبر 2026)، بيانات منظمة الصحة العالمية، تحليل العزلات البكتيرية في مستشفيات غزة، وتصريحات د. محمد أبو سلمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى